القارئ مبدعا
غالب هلسا
يبدأ (كامو) روايته (الغريب) هكذا :
((اليوم ماتت أمي , او ربما ماتت الأمس . لا اعرف . تلقيت برقية من مأوى العجزة تقول : توفيت والدتك . الدفن غدا . لك اصدق مشاعرالاسى . و مثل هذا القول لا يفيد بشيء . ربما ماتت يوم امس)) .
و عندما طلب إجازة من رب العمل تصوّر (ميرسو) انه غضب , فقال: ان موت امه ليس غلطته . و عندما سئل عن السبب الذي جعله يطلق الرصاص على البدوي , فقال ان ذلك بسبب ضؤ الشمس .
فكيف نصف رؤية (ميرسو) للعالم ؟ إنها رؤية تلغي المنظور او البعد الثالث من الصورة من العالم من حوله . فيصبح ذا بعدين . اي انها تفتقد بعدها الاجتماعي . بعد التقاليد و القيم و المفاهيم التي صاغت البشر و مؤسساتهم
الاجتماعية التي تشكل بمجموعها الرؤية الكلية للذات و للاخرين .
يطلق الوجوديون على هذه الحالة ( حالة (ميرسو) في (( الغريب)) و حالة (روكانتا) في (( الغثيان)) صفة العبثية المضحكة . لقد شاعت ترجمة Absurd بالعبث , في الادبيات العربية. و لكن الكلمة الاصلية
تحتمل المعنيين .
انها الحالة التي يفقد فيها الانسان ثقته بكل المسلمات الاجتماعية , و يكون عاجزا , و في الوقت ذاته , عن ايجاد قيمه الخاصة و إلتزامه النابع من ذاته .
يرى (كامو) ان هناك خيارين امام انسان كهذا : الانتحار او بناء التزام نابع من ذاته . و قد اختار (تيسير سبول) , مع الاسف طريق الانتحار .
و ماسات (تيسير) هي مأسات الشباب العربي , الذي تم ادخاله في دائرة شريرة و مفرغة . و لكنها صادفت في (تيسير) حالما كبيرا ذا حساسية مرهفة فكانت الفاجعة . إن الشباب العربي , و (تيسير) بشكل خاص , قذ تخلى عن مسلمات
مجتمع متخلف , و اتخذ بدلا منها مسلمات الديماغوجية السياسية , اليقين و الامتثال نفسيهما .قال له الديماغوجيون : ( ان الاهداف الكبرى للعرب: الوحدة و الديموقراطية في اعلى اشكالها , و العدالة الاجتماعية و الرفاه , و سحق الاعداء , سوف تتم بسرعة و دون جهد كبير )
من خلال هذه الديماغوجية , بنى صورة جميلة لعالمه المقبل الذي سوف يتحقق بسرعة و بدون جهد . و السمة الاساسية للديماغوجية انها تبسيطية تغفل او تجهل تعقيدات الواقع , ومن ثم تقفز من فوقها . و راى (تيسير) ,
و شباب جيله , ان الواقع لا يطيع حلمه , فانساق الى الرؤية العبثية المضحكة , حيث فقد كل شيء معناه , و اصبح مضحكا .
كانت روايتي (الضحك) التي كتبتها قبل رواية (انت منذ اليوم) بفترة طويلة , تعبر عن الازمة ذاتها . ففيها تتفتت رؤية كاملة الى شظايا عبثية .
إذا , هذه هي المشكلة ... الفاجعة : امام عالم شديد التعقيد , لا تحدد مساراته الاحلام الوردية و النوايا الطيبة لشباب لم يرغبوا في رؤية تعقيده , بل يتحدد سيره بمصالح و نوايا و استراتيجيات الداخل و الخارج
المتقاطعة و المتعارضة ... امام عالم كهذا وقف (تيسير) – و نحن كلنا – يعلن خيبة امله لان امته لم تطع احلامه , و لان الزعماء الديماغوجيين ,انصاف الاميين , لم يفوا بوعودهم . وهكذا اصبح كل شيء مضحكا , بلا
معنى .
عالم بلا منظور, كل ما يدور فيه عشوائي , لا يندرج في سياق رؤية او نظرية موحدة . فكيف عبر (تيسير) في روايته: (انت منذ اليوم) عن هذه الرؤية الفاجعة ؟
رواية (انت منذ اليوم) تعكس في بنيتها تهشم الرؤية المتكاملة : لوحات قصيرة متتالية , لا يربطها زمان او مكان او حدث واحد. تتاليها يأخذ شكل القصيدة الجاهلية , حيث يتم الترابط بين الاجزاء من خلال التداعي .
فتصير الصورة , او مشاعر اللحظة , صورا و مشاعر تخضع لعملية التداعي هذه .
و هذه الرواية بذلك تشكل خروجا عن نمط الكتابة العربية السائد . و للتداعي بين المشاهد دينامية خاصة . فما يعاش في اللحظة الحاضرة , اي ما هو عياني و مباشر , يستدعي ذكرى قديمة , تستدعي بدورها مشاعر و احاسيس قديمة و جديدة . اي ان مجرى الوعيلا يتم على مستوى واحد, بل على مستويات متعددة , فهو الحاضر المباشر , وهو تاريخنا الشخصي.
و هو , ايضا ما احتفظت به الذاكرة من حكايات و احداث. ان الربط بين مستويات التداعي, عند (تيسير) , ينبثق من عناصر المفارقة ,والتناقض, و الانفعال. فالعياني يستدعي نقيضه , او ما يشكل مفارقة معه, او يستثير احساسا مماثلا, و لكنه قديم.
يعني هذا ان الرواية تعتمد اللحظة الحية, المعاشة حاضرا عبر تداعيات تنفتح على اكثر من مستوى.
و لا تقتصر هذه الدينامية على العلاقة بين المشاهد, بل تقوم ايضا على العلاقات بين العناصر المكونة للمشهد .وعلينا ان نتامل جيدا هذه العلاقات- التي سوف نسميها تقنيات – لانها اهم ما قدم (تيسير) في تاريخ ابداعه الموجز و الواعد .سوف نبدأ بتقنية سوف نطلق عليها اسم (السخرية من الذات) .
ولتسهيل الحديث سوف نورد اقتباسا من الرواية . كان على لراوي (عربي) ان يسكن مع شاب غريب الاطوار لمدة يومين , يرحل بعدهما الشاب و يترك الحجرة (العربي) يصعد الدرج و يقدمه السمسار الى المجنون ( اسمر , اصلع الرأس , مع انه شاب :
الاخ من اين ؟
سألني , اجبت :
بدوي .
فهش مرحبا :
الله يحييكم البدو . فيكم اصالة .
شكرته و اخبرته ان الاصالة معدومة لدينا كما لدى الاخرين . و فهم انني اتواضع فحسب ) .
إن المؤلف , هنا , لا يتقمص شخصية الراوي .فالراوي جزء من اللحظة و المؤلف يستشرفها . رغم ذلك هنالك السخرية من الذات التي يستعملها الكاتب كثيرا . و هذا شديد الندرة في الرواية العربية . الروائي العربي , عادة , يلجأ لتبرير الذات و تزيينها عندما يختار شخصية تنطق باسمه .
اي انه –في هذا- لا يستشرف اللحظة ولا الموقف , و لكنه يغرق فيهما . هنالك قول ل(غاستون باسلار) : ان المبدع الحقيقي هو القادر على ان يسخر من ذاته . و اعتقد ان ما يعنيه (باسلار) هو ربط الابداع الحقيقي
بالموضوعية , لأن السخرية من الذات تعني محاسبة الذات بتجرد , و تعني ايضا انفتاحا على التجاوز.
دعونا نقرأ هذه الفقرة :
(قال-الراوي- للرفاق انهم عانوا من نقص الكراسات العقائدية هناك و انه يعترف بنقص ثقافته و يريد المزيد فطمأنوه و امتدحوا رغبته ) .
نلاحظ ان الجملة خالية نم النقط و الفواصل التي استبدلت بها واو العطف. انها بهذا تخرج عن ايقاع الكتابة الادبية لتندرج في ايقاع الكلام اليومي . فالسخرية من الذات تنبثق ,اولا, من هذا الايقاع الملهوف للعبارة , و تأتي كذلك من رغبته الواضحة في استجداء المديح ,وقد تحققت هذه الرغبة (فطمأنوه و امتدحوا رغبته ).
و المصدر الثالث للسخرية من الذات , هو ان الراوي يكشف نفاقه بالذات , ففي حين يطالب بزيادة الكراسات العقائدية , يقول لنفنسه: (غير ان الكراسات الحزبية تضجره . لقد عرف بأنها متشابهة و لا معنا لتوزيعها كل اسبوع ) .
و يستعمل المؤلف تقنية اخرى للسخرية من الاخرين , تعتمد التقنية السابقة نفسها , في وجه من وجوهها , و هي تحويل الحديث المباشر الى حديث غير مباشر . مثال ذلك وصفه لردود فعل الناس بعد انفكاك الوحدة بين مصر و سوريا :
(ففرح بعض الشعب و ابتأس بعض الشعب , و صمت الكثيرون . غير ان المذيع طالب الناس ان لا يحزنوا , ووعد بوحدة صحيحة تقوم بين كل العرب . الا ان هناك من لم يصدق , فبكى ماستطاع البكاء , و وجد افرادا لزموا الفراش مرضا , ثم ابلوا بعد يوم او اثنين.....).
ان السخرية ,هنا, تتولد من وضع سياق في القول بدلا من سياق اخر .
ان عبارة (و وجد افرادا لزموا الفراش , ثم ابلوا بعد يوم او اثنين.....) ذات نكهة جسدية خالصة , يكون استعمالها في العادة للحديث عن انسان ارهقه العمل, او اصيب بزكام , فلزم الفراش يوم او يومين .
وهكذا فإن احالة مشاعر وطنية الى حالة جسدية خالصة تجعلها مضحكة. يشبه ذلك قولنا في وصف انسان بانه كان شجاعا و سمينا.
ان اقتران الصفتين, المادية و المعنوية , يجعل قولنا مضحكا. نجد الشيء ذاته في فقرة اخرى:
( كف خطيب مسجد الجامعة عن مهاجمة الاشتراكيين و الملحدين و كرس خطبه لمهاجمة ملابس النساء القصيرة و امور تخصيصية اخرى).فالانتقال من مسألة مهمة الى اخرى تافه يثير الضحك .
و اما تحويل الحديث المباشر الى حديث غير مباشر فهو واضح في الاقتباسات السابقة . منها :
( غير ان المذيع طالب الناس الا يحزنوا , و وعد بوحدة صحيحة ....الا ان هناك من لم يصدق , فبكى ما استطاع البكاء... ).
المذيع يصدر اوامر لا يمكن ان تطاع , اذ طالب الناس الا يحزنوا , و كأن الحزن يأتي بأمر , و ينتهي بأمر مضاد , كما انه يعطي وعودا محددة بقيام و حدة صحيحية لم يكن قادرا على تحقيقها , انه مضحك في اوامره و وعوده . و كذلك كانت استجابة المستمعين , فبدلا من اكتشاف حماقة المذيع انخرطوا في البكاء .
عندما نتأمل هذه العبارات جيدا نكتشف ان حماقة المذيع اتضحت لنا بسبب استعمال تقنية القول غير المباشر . نكفي ان نعيد هذه العبارات الى اسلوب الخطاب المباشر, اي نقل كلام المذيع كما قاله ,حتى يتضح لنا انه فقد طابعه المضحك, و اصبح مجرد مادة اعلامية عادية لا تثير السخرية.
ان استعمال المؤلف لهذه التقنية يتميز بالاصالة , و يكشف عن حرية داخلية يمتاز بها الفنان الموهوب .
و لكن , لماذا تثير هذه التقنية مثل هذا الاثر القوي على المتلقي؟ اعتقد اننا نجد الاجابة عند (باختين). يرى (باختين) ان كل قول يفترض مستمعا . ان هذا الافتراض يحدد اسلوب صياغة القول و مضمونه .
فما الذي فعله المؤلف من خلال هذه التقنية ؟
لقد الغى هذا الافتراض , فبدا القول مجانيا .
ربما كان اهم التقنيات التي استخدمها (تيسير) عن موهبته , هي تلك التي يستعملها في اقامة العلاقات بين المفردات التي تشكل المشهد .
ان تلك المفردات غير محالة الى بناء ذهني-الا كأطار عام –ولا الى الحيكة الوائية ,بل الى ردود الفعل التلقائية . ان هذا يمنح الرواية طزاجة متجددة.
يقول الراوي في وصفه لإمرأة عجوز كانت تحاول ان تعبر الجسر , الذي دمرته الطائرات الاسرائيلية , الى الضفة الاخرى من النهر :
( ... ورغم انني سمعت دائما من يتحدث عن صفرة الوجوه الخائفة , فلم يحدث ان رايت وجها صغيرا كهذا , مصفرا تماما كقشرة ليمونة , دون رواء القشرة ).
المؤلف يقيم علاقة بين الذاكرة و الواقعة العيانية: صفرة الوجه الخائف كصورة رسخت في لاذاكرة و هذا الوجه الاصفر الصغير . ان لهذه العلاقة بين المعطيين وظيفة ابستمولوجية (معرفية)محددة, فالمسلمات القائمة في وعينا (ولا وعينا) تحال الى مضمونها الواقعي ليتم نفيها او تأكيدها .
أن قاصا مثل (يوسف ادريس), مثلا, يسعى الى تحطيم قبلياتنا , اي افكارنا الثابتة عن العالم . فصورة السفاح الرهيب في خيال الطفل تنهار عند رؤيته –كان ضئيل الحجم- كما تعاني مزيدا من الانهيار عندما يراه ينتحب لان زوجته تخونه .
هذا في روايته (الغريب), اما في روايته القصيرة (قاع المدينة) فنشاهد القاضي , رمز الوقار و العدالة , و قد تحول الى مراهق يختلس النظرات الى فخذي الخدامة, هي تمسح البلاط.
و هذه وظيفة ابستمولوجية لأنها تقودنا الى جوهر المعرفة , إذ هي ليست مجرد معلومات يحشى بها الدماغ , بل اقتراب تدريجي و مستمر نحو الحقيقة. يتم ذلك من خلال تحطيم اطر معرفية قديمة , انسلخت عن معطياتها الواقعية , و أصبحت مجرد اشكال فارغة, و استحداث اطر جديدة انبثقت من الواقع لتوها . و بكلمة اخرى فإن المعرفة عملية متصلة, مستمرة الى مالا نهاية, تقوم على تحطيم القديم و بناء الجديد.
سوف نورد مثالا آخر يكشف زاوية من هذه التقنية :
((على المصلبات ترتفع لافتات الدعاية الانتخابية:
(صوت الاسلام تحت قبة البرلمان , انتخبوا...)
(اليكم مرشح العمال و الفلاحين و الكادحين.......)
(من اجل القضاء على الاستعمار و الصهيونية , انتخبوا....)
رأيت ملابس النساء في الفترينات , الوانها عديدة و كلها معروضة بشكل خلاب ))
اننا هنا امام انطباعات اولى : اللافتات الانتخابية , و ملابس النساء .
حاسة البصر اقامة العلاقة بين الاثنين. التشابه بين الدعاية الصاخبة التهريجية للمرشحين و بين العرض الحسي (الخلا ب) لملابس النساء يجمع بينهما.
((ورأيت مزيدا من اللافتات: (من اجل حياة برلمانية ديمقراطية سليمة,
انتخبوا... ), و تذكرت (عائشة). لقد اضعتها للابد))
هنا يتبع المؤلف توارد خواطر الراوي , فضياع الحياة البرلمانية ذكره بضياع (عائشة). نرى ذلك ايضا في رد فعل الراوي على حديث الشاب غريب الاطوار:
((شرح لي ان الزعيم لم يجبن, ولم ترجف خلجة واحدة فيه حين واجه الموت. و افادني ان الزعيم اعدم نصف واقف على ركبتيه. فدهشت, وكنت اعتقد انهم يعدمون واقفين))
ألا تذكرنا هذه الاستجابة برد فعل (ميرسو) في ((الغريب)), حين اهمل المسألة الاساسية , وهي موت امه, و انشغل في تحديد اليوم الذي ماتت فيه. فما هي دلالة هذا الانحراف عن الموضوع الاساسي؟
في السيرة الذاتية ل(فوركي) يشهد الطفل دفن والده . يراهم يهيلون عليه التراب في القبر المفتوح فيأخذ في البكاء . و عندما يسألونه عن السبب, يقول انهم جرفوا الضفدعة مع التراب , فدفنوها . فأنبته جدته و قالت ان عليه ان يبكي لموت ابيه, لا لموت الضفدعة.
إن الطفل هنا, هو صوتنا الواقعي الحقيقي , لانه يدلنا على الارتباط الواقعي لتداعياتنا . ان هذه الضرورة التي تحتم الارتباط بين موت الزعيم و الاعجاب بشجاعته , و بين علم (ميرسو) بموت امه و التفجع الفوري عليها , و بين موت الاب و بكاء الطفل, هي ضرورة قسرية يتم فيها اخضاع تداعيات تلقائية للقفص الحقيقي للمواضعة الاجتماعية .
فعبر هذه المواضعة , يصبح ما يحدث واجب الحدوث , اي اننا نلغي الحياة لمصلحة القيم الاجتماعية الصارمة . هكذا يصبح السؤال المطروح:
هل الادب يعبر عن التجربة كما عشناها, ام هل ام هل تتم مصادرتها خضوعا للطقوس الجتماعية ؟ ان تهمة قتل البدوي تجد رافدا لها في ملاحظات مدير مأوى العجزة حول سلوك (ميرسو) خلال جنازة امه :
(( و ردا على سؤال آخر , قال انه فوجئ بهدوئي يوم دفن والدتي, و لقد سئل عما يعنيه بقول (هدوء) فنظر المدير الى حذائه ,و قال انني لم ابد الرغبة في مشاهدة امي , و لم ابك مرة ة واحدة عليها , و انني ذهبت فورا اثر دفنها , دون ان انحني بكل حواسي فوق قبرها .
و قال ان شيئا آخر قد فاجأه ايضا : فقد ذكر له احد مستخدمي الجنازة انني كنت اجهل كم تبلغ امي من العمر )) .
و تبلغ هذه الاتهامات حدا جعل المحامي يتساءل : ((أخيرا, نريد ان نعرف ما اذا كانت التهمة الموجهة الى موكلي هي دفن امه , ام قتله رجلا؟ )) , فيصرخ المدعي العام : (( نعم, انني اتهم هذا الرجل بدفن امه بقلب مجرم)) .
فما هي خطيئة (ميرسو) الحقيقية ؟
انه وقد فقد القدرة على فهم المنظور , او بعد المسلمات الاجتماعية, قد خضع تماما لتداعياته التلقائية , و اصبح سلوكه نتاج رؤية يظهر فيها العالم قد اتسم ببعدين . و هكذا نستطيع القول إن خطيئة (ميرسو)الكبرى
التي تم تضخيمها الى الحد الاقصى هي انه لم يخضع تداعياته للمواضعة الاجنماعية .
عند (تيسير), في هذه الرواية , لا تقيم تداعيات الراوي اعتبارا للمواضعة الاجتاعية , و لا للمنطق الاجتماعي الذي نطلق عليه صفة الحس السليم . دعونا نقرأ هذه المقاطع من الرواية :
(( ولاحظ عربي ان الخادمة التي يحشرونها تنام معه في الغرفة ... كانت
غائبة عن حسه لفترة. ثم عراها واكتشف ان جسدها الداخلي نظيف جدا,
فجاس خلاله بلذة. ويبتئس حين يرى وجهها , بعد ان تضع ملابسها , وسخ جدا..... ))
((و لان الخادمة ظلت وسخت الوجه , احب من بعيد صبية سمراء تغدو لمدرستها كل صباح في الميعاد نفسه ...))
هنا نجد الانطباعات الاولى للراوي, التي حددها منطق تداعياته الخاص. انها تحيلنا الى تداعياتنا نحن ,حين لا يحكمها منطق المسلمات و الطقوس , اي عندما نكون احرارا , وبهذا المعنى نستطيع القول ان الادب الجيد يحررنا . كيف ؟ سنشرح ذلك بعد قليل .
و الآن , هل نستطيع ان نضع هذه الملاحظات المتفرقة في سياق مفهومي منسجم ؟ سنحاول ذلك.
نتبين اهمية التقنيات التي استخدمها (تيسير) في ((انت منذ اليوم)) عندما نقيم رباطا بينها و بين المسألتين : وظيفة الادب , وجماليته. احدى وظائف الادب , و اخطرها, انه يجعلنا نعيش تجارب حياتنا اليومية مرة اخرى , ولكن برؤية و فهم مختلفين . ان تجاربنا اليومية مستلبة لانها محالة دوما الى الى اطار مرجعي متكلس,فقد وضمونه الواقعي و اصبح شكلا فارغا.
واعني بالإطار: المسلمات الاجتماعية . يكفي ان نطرح على المواضعة الجتماعية سؤالا منطقيا واحدا حتى يتكشف لنا فراغ هذا الشكل الميت . ان لهذا الشكل -بالطبع- مضمونه , و لكنه اولا ليس ما يدعيه ,
و ثانيا : مضمونه الاساسي مضمون قمعي .
مثال ذلك اننا نوافق ان تعمل الفتاه موظفة . وقد يكون من مقتضيات عملها ان تجلس مع واحد من زملائها في حجرة واحدة مغلقة , لا يدخلها احد إلا بإذن . ذلك مقبول تماما . و لكن حين يدعوها هذا الزميل الى شرب فنجان قهوة في مكان عام , فإن موافقتها تصبح فضيحة . هذا هو منطق المواضعة الاجتماعية : الخلوة مع رجل لست ساعات يوميا امر مقبول , و الجلوس في مكان عام امام مئات الاعين شيء مستنكر .
ما هو المضمون الحقيقي لهذه المسلمة المتناقضة ؟
وراء ذلك استبعاد المرأة و اعتبارا وسيلة انتاج بلا حقوق . فخلوتها مع الرجل تأتي بالمال , و جلوسها في مقهى يحقق العكس , و يعطيها حق الراحة و المتعة , و هذا امر غير مقبول . إن المسلمة الاجتماعية , بتصلبها و عنجهيتها , تخفي مضمونها الوحشي بف بغلاف من الحرص على شرف المرأة و سمعتها .
و هكذا تصبح ردور فعلنا و أفكارنا وا نفعالاتنا مقننة. إننا نلغي أبعادها ونقتصر على ردود الفعل التي جددتها القيم السائدة. أما الكيفية التي يتم بها ذلك فتنقلنا الى البحث في الية الجهاز العصبي للإنسان ، وهكذا البحث يحتاج إلى متخصصز يكفي أن نقول إن التداعي الحر – للأحداث ولافكار – يتوقف، أو ينحرف نتيجة لكوابح في الجهاز العصبي مصدرها القم الا جتماعي بكل أشكاله .
من هنا تبرز الوظيفة الخطيرة للأدب الجيد: إنه يقدم لنا تجربنا الخالية من الحياة والمعنى ليشحنها بطاقة معرفية هائلة. فعندما نقرأ في رواية (أنت منذ اليوم) أن الراوي زهد في جسد الخادمة لأن وجهه يكشف عن وساخته عندما ترتدي ملابسها ، كذلك فإن العقل الطقسي يقبل خطبة المذيع الحمقاء : لا تحزنوا، سأحقق لكم وحدة صحيحة. ولكن بمجرد أن نصيغها على شكل خطاب غير مباشر يكشف العقل الخامل أنه انخداع، لأن المؤلف قد غير الشكل النمطي للخطاب. فبم نعد في خطبة المذيع مضمرين كمستمعين،بل أصبحنا نقاداً.
دعونا نقرأ:
(( وقال لنفسه: أحب أن أخمل وشم دولة عظيمة. أنا متأكد من هذا. غير أن الكراسات الحزبية تضجره. لقد عرف بأنها متشابهة، ولا معنى لتوزيعها كل أسبوع. يسقط الاستعمار. نفم، لكن كيف؟ لم تكن الكراسات مفصلة، ولم تحمل لخ الاكتفاء)).
لقد أدرك أن الحزب الذي ادعى انه الشكل الملائم للمضامين الجديدة، الحاضرة و المستقبلية، قد أصبح شكلاً فارغاً: تكراراً لقول مبهم ، لا يحيلك إلى واقع أو إلى ّاتك، بل إلى نفسه كإطار مرجعي. أصبح طقساً اجتماعياً. لذلك كان مقهوماً أن يستقيل من هذا الحزب. إنه بذلك يحتج على فراغ الشكل ، ويدعو إلى الاحتجاج عليه. بهذا تصبح الحياة، من خلال الأ دب، تجاوزاً مستمراً. فالانسن ينفتح على المعرفة لا نهائية. وهذا ما وصفناه قبل قليل بأنه (( عملية ))، تمييزاً لها عن تكديس المعلومات.
(( وانت منذ اليوم)) لا تكتفي بصياغة الحدث اليومي في شكل جديد، بل تمنحنا حرية التداعيـ التي سوقفها ما يسمى عادة الحس السليم. فهي حين تطلق حرية دفع الواقعية العيانية إلى كامل ترابطاتها وتداعياتها، فإنها تحرض الية أخرى على العمل بكامل طاقاتها، نعني بها (( اليه العقل )) ، التي ينفتح أمامها مجال المضي في محاكمتها حتى نهاياتها المنطقية. إن العقل يفعل ذلك بعد أن يكون قد امتلأ بالمضامين الحية التي تخلصت من عبء الاأشال المتحجرة اتي تكتم أنفاسه.
هذا عن علاقة هذه التقنيات بواظيفة الأدب، اتي حددناها بقولنا إنها وظيفة معرفية. فماذا عن علاقتها بالمعطى الجمالي؟
الفصل بين وظيفة الأدب وجماليته فصل تعسفس. فوظيفة الأدب جزء من جماليته. ولكننت نستعمل هذا الفصل اللإيضاح الجمالي. يعني، إضفة إلى الوظيفة، الكفاءة التي ينقل بها الأديب تجربته إلى المتلقي، واستعمال التقنيات اتي ذكرها كان، بها المهنى، جميلاً. إنها تجدد التجربة اليومية، فتثير خيال المتلقي ووعيه لتجربه الخاصة. إنها تعرض الوجوه الجديدة للحدث فتوقظ جهاراً عصبياً تعود التكرار، وبالتالي تعود تلقي وقائع الحياة وهو نصف نائم. لكنه يستيقظ أمام الجدة.
وبكلمة أخرىـ فإن جمالية هذه الرواية تكمن في طزاجتها، في كشفها لواقع نعيشه، ولكننا لا نعرفه. إن هذه الطازاجة بالذات تجعل القارىء مبدعاً.
|