الرئيسية
سيرة الشاعر
دراسات
كتب
الأعمال الفكرية
مقالات
الشعر
الرواية
أغاني
صوتيات
إتصل بنا

 

 

لتحميل جميع الروايات إضغط هنا

إضغط هنا لتحميل ملف الرواية

 أنت منذ اليوم

رأيته من النافذة , واقفا بباب المطبخ و بيده العصا , و ينظر شمالا من حيث اتت , بيضاء منسابة الخطو , و فمها يتملظ . خشيت أنها قد تدخل الصالون , فقررت ان أخرج . رآني انسحب , فأشار واضعا إصبعه امام فمه , و بيده الاخرى امرني أن ابقى حيث أنا . سار نحونا فعرفت أن القطة قد دخلت وأن العملية ستبدأ . لا أريد أن اراها .

سمعته يصفق الباب , فعبرت الى الصالون , و هناك التقينا الثلاثة و لا مجال للخروج .
تلمست الزوايا و هي تمؤ بخوف . تبعها و ضربها قاصدا الرأس , فأصاب الظهر . تدحرج جسدها مرتين و لاذت بالنافذة .

و سمعت صوت مخالبها المحتكة بالزجاج . قفزت , فضربها و أصاب الرأس , فنفر دمها و رش الارض .

ارتدت الى النافذة الثانية تمؤ عاليا , و احتكت مخالبها بالزجاج . و عاجلها على الرأس بضربة اخرى . سمعت صوت تنفسها المختلط بسائل الدم . و انتفضت انتفاضة سريعة , و استلقت و وجنتها على الارض . و نفض انفها مزيدا من الدم , ثم سكت ...... عيناها ظلتا مفتوحتين.

في صحن الدار , بين شجرتي الكرمة , تحلقوا ينتظرون المدفع . رأيت الشمس تسقط اخر شقفة من قرصها في الافق الغربي , وقد خلّفت كثيرا من الشواظ الاحمر . ورأيت المؤذن واقفا فوق صخرة على قمة الجبل , ينظر في ساعته و يعيدها الى جيبه .

و رأيت امي في صحن الدار , تعبرحاملة صينية الرز , و البخار يتصاعد الى وجهها المحمر .
سمعت امي تناديني :

تعال و تعشّ يا عربي .

ثم رأيت المؤذن يحلق يديه حول فمه , و يصرخ :

الله أكبر الله أكبر
و انفجر صوت المدفع .

اللحم مطبوخ باللبن .... اقبل على إعادة تنظيمه فوق الرز بإهتمام صارم , و لحيته الصغيرة البيضاء تتحرك مع حركة وجهه الناشف المدبّب  .

 و رأيت وجه امي معروقا , وجلد ما بين عينيها منكمش بخطين واضحين .
 اللحم كله فوق الرز . ليس كله بل تنقصه قطعة الكتف . كيف اكمنها . قطعة بذلك الحجم . أن تلتهم القطعة بأكملها ؟ و ما يدريك , فلعلها اطعمت احدى اخواتها , او ربما اطفالها .


انتزع ابي اللسان . قطعة مفضلة عنده .

لكن لماذا عادت ؟ لن يكون لها عشاء بعد هذا العشاء الاخير .

كل يا ولد .

انتهزني ابي .

ملي نفس .

 و انسحبت .

قال لي صابر :

هل تحضر الحفل ؟

لا .

و فكرت انه , بدوره , غير راغب في حضور الحفل . كان الاصيل يطبق على الجامعة . في الحديقة رايت عددا من الطلاب يسيرون مثنّى مع البنات , و بعضهم يجلس على الكراسي الخشبية .

هل تذهب معي الى ابي معروف ؟

و لكن الحزب هو الذي ينظم الحفل ....

لن اذهب ...

الى ابي معروف ...

و خرجنا من البوابة الرئيسية , فرأيت الاوراق الصفراء على طول الرصيف , و الاشجار نصف عارية .

 صباح اليوم التالي , كان رأسها مفصولا عن جسدها و مسلوخا , رآه عربي عندما فتح الباب فاختبطت معدته . فأشاح , و اسرع هابطا الى المدرسة .

فيما كان خطباء الحزب يحددون اعداء الامه , و يرسمون معالم الوحدة العربية الصحيحة , جلسا يشربان العرق في البار الصغير , الذي ليس اكثر من غرفة شحيحة الضوء .

لغير ما سبب واضح , يفضل عربي هذا البار . ابو معروف اقل اصحاب المهنة اكتراثا بالزبائن . مازاته قليلة . اذا استزدته قدم لك القليل , ووجهه واضح الاستياء . لكنه مكان مناسب .

تحث عربي عن مصرع القطة . وتحدث عن اماسي رمضان في القرية , و عن ابيه النحيل ذي العينين كعيني الصقر .

 سرد قصة الخناجر الست , و الحزام الجلدي العريض , الذي يثنبه عندما يضرب زوجاته به ليكون اشد وقعا .

رآه عربي يستعمل الحزام الجلدي كثيرا . لم يره في الهجيج , إبّان رحيل بني عثمان , الا أن الرواة اكدوا انه رجل بندقية ممتاز .

 

لكن من الذي سلخ جلدها عن رأسها ؟ اما الكلاب او القطط الاخرى . ولا يبدو لك الامر مهما , لكنه مهم . الا ترى ؟ فالقطط هي اخت لها .
 
  قال صابر انه يفهم كل هذا , و انه بدوره يذكر امه المجنونة التي دفنوها على ربوة عارية , لكنه يعتقد ان واجبه كان يقتضي المشاركة في حفل الحزب .
 
 و قال عربي انه يكره جدا ان يذهب ليرى الشعراء الذين يضربون الارض بأرجلهم ..... فالإستعمار في الحقيقة ليس تحت لرجلهم .
 
و قال عربي إن امه لم تكن مجنونة , و لكنها كانت كثيرة البكاء , و قال انهم جميعا ليسوا الا واحدا من اثنين : غاضب يصرخ , او ذليل يبكي .

و قال عربي انه يذكر رسالة قديمه غامضة فيها كلام كثير . ما عاد في رأسه الآن الا كلمات (( باب الواد , ازيز الرصاص ودوي القنابل )) لكنه يعرف انها من اخيه الكبير الذي حارب اليهود .

(( بعد قراءة الرسالة )) قال عربي  (( ظلت امي تبكي طول النهار )) .....