تيسير السبول شاهد عصره وشهيده
د. مي التميم
الكتابة عن تيسير سبول الزوج والصديق والحبيب لا يمكن أن تكون محايدة..إنما تنزلق خارجة على المكان والزمان فتختلط المشاعر الشخصية بكل ما فيها من إرهاصات الحب والأحزان، فينكأ الجرح الهامد ينبض حيا، يتلجلج النطق فيهرب المرء من نفسه، أو يتكئ على الصمت محاولا إسدال ستار على آلامه الخاصة. وما كنت لأسجل شهادتي عن تيسير لولا إلحاح الأولاد والأصدقاء ومحبي تيسير. سأحاول جاهدة أن أرسم صورة تيسير الإنسان الذي كان قدره أن يكون شاعرا مبدعا مجبولا بالشفافية والحساسية. صادقا مع نفسه ومع الآخرين. مثاليا، ورومانسيا وذا وعي حاد بكل ما حوله. ففي زمن انتقاء العواطف الكبيرة الحقيقية كان العام والخاص ينظمان وقع حياة الشاعر. وكانت حياته القصير ة جدا، الخاطفة، سجلا مريرا لما مر من أحداث ووقائع في عالمه لعربي الكبير. صدمته الهزائم المتكررة فج نبع الحكمة وفقد القدرة على التحديد والصمود وانتقت لديه كل أسباب الحياة.
في هذه العجالة سأحاول تقديم لمحة موجزة عن حياته المعاشة ومسيرتها بخطوطها العريضة وهي ليست سوى إضاءة بسيطة لمن لا يعرف تيسير سبول، وذكرى متجددة لمن عرفه وعايشه. ولن أتحدث عن أدبه. فالأدب يقدم نفسه دون وساطة. كما أن هناك أكاديميين يمكنهم تقديم دراسات عن أدب تيسير بشكل أفضل. على المستوى الشخصي كانت حياة تيسير السبول العظيمة المتوهجة خالية من الأحداث الهامة. فقد كانت حياته تسير بنفس المراحل التي مر بها معظم شباب جيله . وإنما كانت الأحداث الكبرى التي مر بها الوطن العربي هي المراحل التي أثمرت في مجرى حياة تيسير وشكلتها. ولنبدأ منذ البداية.
ولد تيسير سبول في مدينة الطفيلة في جنوب الأردن، مدينة يعتاش أهلها على الزراعة لتوفر الماء فيها، واقعة على أطراف الصحراء في 15/1/1939 لأسرة متوسطة الحال. يعمل والده بالزراعة، وهو شخص قوي الشخصية نافذ الكلمة محترما من أقرانه وكان لديه أسرة كبيرة العدد نسبيا إذ كان لديه خمسة أولاد أصغرهم تيسير وأربع من البنات وقد سعى رغم أميته إلى تعليم أبناءه وبناته حتى نال أكثرهم الشهادة الجامعية. كان لتيسير الحظ الأوفر من النباهة والذكاء مما جعله محط أنظار أساتذته وأقرانه الذين تبأوا له بعلو الشأن. مما أعطاه إحساسا خاصا بالتفرد والأهمية. وجعله منذ البداية واثقا من نفسه قوي الشخصية ذا حضور متميز. وانكب على الدراسة والقراءة. ينهل من منابع المعرفة وكان لأخيه العائد من بريطانيا (شوكت السبول) تأثيرا إيجابيا إذ غذى فيه حبه للتعلم وساعده ليقف على قدميه ويشتد عوده. بل ضمه إليه بعمان، وكان في كل مكان مجليا ومبرزا رغم اهتمامه بالشعر والأدب بعيدا عن المناهج المدرسية المقررة. هذا الذكاء والشفافية والوعي الحاد بكل ما حوله رافقه نوع غامض من الحزن المبهم الذي يمس شغاف قلبه فكانت نجاحاته المدرسية ووضعه الاجتماعي غير كافيين لإرضاءه. كان دائم التألم لما حدث في فلسطين وما يحدث. فبعد نكبة فلسطين 1948 وضياع جزء هام من الوطن العربي تم تدفق اللاجئين بحالة محزنة من الضياع والتشتت إلى أرجاء البلاد العربية باحثين عن زوايا تلم شملهم وشتاتهم. تحت عيون العالم الصامت أمام قوة السلاح الذي يطرد شعبا أعزل من بلاده وما اهتز الوجدان العالمي للمأساة وما نبس بكلمة. بل إن بعضهم بارك اليد الملوثة بالدماء وصفق لها.
كانت النكبة الجرح الأول في قلبه، شاب ما غادر بعد مرحلة الطفولة وتحولت إلى هاجس يرجو النصر على مر الأيام، كم جرب بعد ذلك الحب وفشل فيه فبعد أن كتب قصائد لا تعد عن الحب بدأ يمزق أوراقه بحثا عن الأجدى لأمور لا تجري كما يريد. ولكن أسمه كان قد لمع في المدرسة كشاعر مهم يلقي شعرا بين الفينة والأخرى من منبر الإذاعة في برنامج مع الطلبة. وبرامج أخرى منوعة. ومن منابر المدارس التي كان يدعي إليها. أنهى تيسير دراسته الثانوية بتفوق رغم القلق والاضطراب والحزن الذي سببق سجن أخيه شوكت بسبب آراءه السياسية ولكن آلام تيسير جعلته يتحدى الوقائع المؤلمة وينجح نجاحا باكرا أهله للحصول على منحة دراسية إلى الجامعة الأمريكية في بيروت لدراسة الفلسفة ولكن الحياة في الجامعة الأمريكية في بيروت لم ترق لشاب تشغله قضايا الأمة العربية وما يعج بالعالم العربي من أحداث. فترك الجامعة الأمريكية وقرر دراسة الحقوق في جامعة دمشق. وفي دمشق برز تيسير كشاعر شاب موهوب وأوسعت له الصحف اليومية والأسبوعية صدرها لاستقبال أشعاره وكذلك الدوريات الشهرية الأدبية في دمشق وبيروت كمجلة الثقافة، الآداب والأديب. وكان لاسمه توهجا خاصا لفت إليه الأنظار. ثم جاءت الوحدة بين مصر وسوريا فكانت فاتحة أمل لأحلام ما فتئت تداعب صدور الشعوب العربية المؤمنة برسالتها وقوميتها، وسرعان ما تبعها الانفصال فكان شرخا كبيرا وهزيمة ساحقة فبتدد الحلم وتجلت الهزائم اليومية الأخرى على مستوى الأصعدة الثقافية والاجتماعية فقد كان الشعب العربي يمر بمخاض مؤلم من تغيير في وجهه الحضاري. لقد حدث تخلخل في التاريخ وما كان هناك تفسير يوضح ما جرى ويجري. توقف تيسير عن الكتابة حينا من الزمن فالشاعر الذي عاش وقائع زمنه بكل حواسه وبمثالية حالمة أصبح يرزح تحت عبء الإنكسارات المتوالية.
التفت آنذاك إلى الحياة اليومية فعمل موظفا متنقلا من وظيفة إلى أخرى. وتزوج وأنجب طفلين، عتبة وصبا، وبدا وكأن الزمن قد أبرأ جراحه. جاءت هزيمة حزيران لتتكأ الجرح القديم وتزعزع ما استقام من حياته. الضربة قوية مؤلمة وفي الصميم. بكى الهزيمة ولا عزاء. ذهب إلى الجسر المهدم ليلقي بنظرة وداع على جزء عزيز على قلبه قد ذهب ربما إلى غير رجعة. أعلن موت الشعر. وبدا عاكفا على قراءة تاريخه القديم مستلهما من الماضي ما يعينه على مواجهة مستقبل غائم غامض. عكفت على كتابة روايته (أنت منذ اليوم) والتي حازت على جائزة النهار الأدبية لعام 1968 محللا ما يجري في عالمه، متخذا من العنوان نفسه شعارا لما سيأتي.. محاولة لغفران الماضي ونداء لبداية جديدة. مستصرخا شعبه العربي لينهض ويبدأ من جديد منذ اليوم... ولكن الأمور لم تجر كما يريد وما نيل المطالب بالتمني. وكانت حرب تشرين 1973 انتصارا في البداية أعقبه تراجع وهزيمة في الدفرسوار. ثم استسلام وصلح مجحف.
لقد خانته رؤياه فالعربي استسلم لهزائمه الماضية واستراح خارجا عن نطاق الزمن. وما كان لصوت شعر واثق أن يحرك الهمم. في ذلك الحين لم يعد تيسير يحلم بالمستقبل إذ بدا له غاية في السواد والغموض. انطفأت شعل الحياة في أعماقه. أحس أن الهزيمة هزيمة شخصية له. وما كان له أن يقف موقف المتفرج الصامت في معمعة الحياة. وما طابت له الحياة المعاشة العادية. ولعله في لحظة خاطفة وفجأة قرر الانسحاب من الحياة معلنا تمرده ورفعته لمنطق الصمت والهزيمة. وزعقت رصاصة جانية بصرخة مدوية فلم يبق شيء يمكن أن يقال بعد الآن. وهكذا رحل تيسير في اليوم الخامس عشر من تشرين عام 1973. ولعل دوي الرصاصة القاتلة لا تزال تستصرخ يوما يأزف فيه النصر النصر على ذواتنا الضعيفة الداكنة، وداعا
|