دراسة في الرواية الأردنية
عبد الله رضوان
أنت منذ اليوم
لتيسير سبول
قراءة في الخطاب
قراءة في البنية
1/1 الأعمال الأدبية المميزة هي الأعمال التي لا ينفذ أليها الناقد بسهولة، لأنها تربك دارسها في تعدد مساراتها، وفي تعقد مقولاتها، وفي تشابك بنائها، وفي كونها لا تصل إلى دارسها بسهولة، بل إن أية دراسة لها لا تكاد تحقق إلا إضاءة لأحد جوانبها.
وأنا أدّعي أن هذا العمل أنت منذ اليوم هو عمل من الأعمال الأدبية المميزة، فهو عمل دراسته مربكة، ومساراته متعددة، ومقولاته معقدة وبناؤه متشابك، ولأبدأ حيث نهايات العمل:
فهنا مواطن أراد على الدوام أن تحمل روحه وشم الدولة القوية، ولم يكن ممكناً أن يقدم لنفسه أيما سلوان، شعب نحن أم حشيّة قش.
ليس هذا جَلْداً للذات كما قد يوحي ظاهر النص، ولكن المواطن عربي بتعدد وتشابك إحالاته المرجعية داخل العمل. لم يستطع أن يحتمل هزيمة حزيران لما حملته من تطويع لفكرة الدولة القوية التي يتطلع اليها عربي لصالح رغبة وحكم الجنرال- رمز العدو تربع الجنرال داخل الجمجمة... وكان بوسع الجنرال أن يُري رباط عينيه الأسود... ويقرر بأن الأصل في العين أن تكون عوراء
والإشارة واضحة إلى الجنرال موشيه دايان مهندس حرب حزيران.
هذا الإحساس الحاد بالهزيمة طاف رجل معظم العالم، ورأى كثيراً من الكوارث إلا أنه لم يَرَ شعباً بأكمله يغرق في الحزن مثل شعبي
والهزيمة هنا مُعمّقة إلى حدّ القسوة لأنها طالت مجمل وعي عربي وتكوينه وحلمه، ليس عربي الشخصية فقط ، ولكن الدلالة والرمز، الأمة العربية ذاتها، مع ملاحظة التغيير الذي أجراه الراوي على حركة الضمير، فبعد أن بدأ بضمير الغائبهو (طاف رجل معظم...الخ) أنهى الجملة بتحويل الضمير إلى ياء المتكلم (مثل شعبي) ليعمق التحام عربي-الرمز- بدلالته كشعب عربي، ذلك أنه شعب عربي يمتد جغرافياً وتاريخياً رأيت شعبي، رأيت الصحراء والجنود الهائمين عطاشاً... رأيت شعبي يسقط باسطاً يديه على الرمل الحار... ولكن المسألة في أنه شعب انتدب ليحارب من اجل أن يظل الرنين الغريب كما قال معلم التاريخ للصغار: الفترة الممتدة ما بين القرنين الخامس والعاشر ميلادي هي المعروفة باسم عصور الظلمة
وهنا تتوضح الدلالة، ويأخذ الشعب بعده الحضاري، فشعب عربي قاد النهضة الإنسانية طوال خمسة قرون هي عصور الظلمة بالنسبة لأوروبا، وحلم عربي هو في استعادة امتلاك وشم هذه الدولة العظمى التي قادت الإنسانية طوال خمس قرون... وهنا يظهر بُعد الهزيمة على مستويين:
- اليومي المعاش والذي وَضُح جزئياً في سرد واقعة الجسر وبكاء الناس.
- التاريخي لإحساس عربي بغياب إمكانية تحقيق الحلم، ولسيطرة الجنرال بما يمثله، على حركة الواقع، بالتالي مصادرة الحلم، وشم الدولة القوية.
****
2- فإذا تجاوزنا الجزئين الثامن والتاسع من الرواية باعتبارهما يتحدثان عن هزيمة حزيران وأثرها على شخصية عربي ومحاولته الانتحار، ومن ثم تعميق الإحساس بالهزيمة، بل وتضخيم دلالتها، أقول إذا تركنا هذين الجزئين وعدنا إلى الأجزاء السبعة الأخرى التي تتكون منها الرواية فما الذي سنجده؟؟.
1\2 يفتتح الروائي المشهد الأول بلقطة تصويرية مميزة لحالة البطل وهو يراقب والده أثناء مطاردته للقطة:
رأيته من النافذة، واقفاً بباب المطبخ وبيده العصا، ينظر شمالاً من حيث أتت، بيضاء منسابة الخطو، وفمها يتلمظ
لاحظ دقة الوصف، الاقتصاد في اللغة، بحيث لا نستطيع الاستغناء عن أية مفردة، أو حتى حرف فيها ، وهذا ما يميز لغة تيسير الروائية في مجمل العمل.
يستمر المشهد إلى أن يصل ذروته قائلاً (وسمعت صوت مخالبها المحتكة بالزجاج. قَفَزَتْ، فضربها وأصاب الرأس، فنفر دمها ورشّ الأرض)
وهكذا ينفتح المشهد الروائي على موقفين:
الأول: قتل القطة، والتي ما يلبث الراوي أن يعيد توظيفها في الرواية في الجزء التاسع منها، ويعطيها دلالات واسعة، إذ يمثل حركتها الدائرية بحركة التاريخ.
الثاني: شخصية الأب، أنموذج الشخصية البطركية القامعة، فهو الذي يقتل القطة دون أن يرمش له جفن، يأكل من الذبيحة لسانها أولاً، تنميط للشخصية البدوية في تعاملها مع واقعها، إصدار الأوامر والحزام الجلدي العريض يثنيه عندما يضرب زوجاته و رآه عربي يستعمل الحزام الجلدي كثيراً، ولم يره في الهجيج أبان رحيل بني عثمان، إلا أن الرواة أكدوا أنه رجل بندقية ممتاز .
لاحظ دقة وصف ثورة أهالي البادية العثمانيين عند قيام الثورة العربية ووصفها بالهجيج، كما أن نفس هذا الأب الذي يجلس مثقلاً بعد صلاته، والذي لا يمل من رواية حكاية زواجه، هو نفسه الذي يستخدم أقصى العقوبة ضد عربي حين يشك أنه أخذ قرشاً من نقوده، ليتبين أن الأمر ليس أكثر من خطأ في الحساب. هذا الأب الذي لا يعرف حتى أن يضحك مع ابنه في لحظات صفائه كما جاء في الجزء الثاني من الرواية تضاحك وعبث بلحيته الصغيرة. كان في إحدى لحظاته المرحة:
- الله يلعنك ويلعن أمك... لم يكن يلعنني في الحقيقة، طريقة في التحبب -، هو الأب نفسه الذي يكاد يضحي بنفسه في سبيل أرضه.
كما ويتوضح لنا في هذا الجزء شخصية صابر، صديق عربي وزميله الحزبي والجامعي، حارب اليهود في باب الواد في فلسطين وعاد مُتَّهِما الأوامر. ثم شخصية الأم الصابرة التي تقبل ظلمها بخشوع وطاعة. وكذلك عائشة الفتاة التي يضاجعها مقابل زيادة في أجرة الغرفة، وهدية حلوى، وعلي أخو عائشة الذي يحاول أن يحتج على واقعه دون فائدة.
أما عربي، بطل الرواية، فهو المحتج على كل هذا الذي يحيط به دون أن يمتلك القدرة على تحويل هذا الاحتجاج إلى سلوك عملي، اللهم إلا قراءة التاريخ والتعرف على موقف الإمام علي، ومن ثم انخراطه في الحزب.
****
2/2 في الجزء الثاني، يبدأ المحارب -أخو عربي- بالتحول، ليصبح جزءاً من السائد في المؤسسة العسكرية في هجيرمدينة الغبار الكثير والشمس، (المحارب هنا أصبح له كرش، وهو ضابط عهده للجيش)
لقد تم تدجين المحارب، وبدأ يصبح جزءاً من المؤسسة الأبوية البطركية القامعة، يقضي وقته في السكر والغناء مع صديقه، وفي التخطيط لتهريب ما يمكن من العهدة.
ثم نلتقي بإنارة تاريخية، فالإمام الشيخ الذي أحبّه عربي كان يحب سماع صوت جاره السكير بعد العشاء وهو يغنيأضاعوني وأي فتى أضاعوا، بينما قام الخليفة باستدعاء الفاتح ابن القاسم لغضبه عليه، ثم حشره في جلد بقرة وحرقه- لاحظ التغيير في وعي القائد وفي تعامله-.
وفي مجمل هذا السياق تتأكد خصوصية عربيأحب أن أحمل وشم دولة عظيمة، أنا متأكد من هذا. غير أن الكراسات الحزبية تضجره… يسقط الاستعمار. نعم، ولكن كيف؟ لم تكن الكراسات مفصلة ولم تحمل له الاكتفاء لاحظ تغيير الضمائر من ضمير المتكلم إلى الغائب.
كما تبرز القضية الجنسية عند عربي، ونزوعه الدائم إلى حلها دون فائدة، الخادمة متسخة الوجه، بيضاء الجسم. ويبدأ عربي بالهروب إلى الأحلام:
في المقعد الأخير تجلس هي، وجهها مختلف… إنها ميتة… جرى سريعاً وراء الباص دون أن يدرك، الوجه المنفوش يلتفت خلفه، ينظر إليه كأنه يدعوه .
هذه الدعوة التي يُحسَّها عربي موجهة له من الوجه المنقوش، رمز أمته، أو لنقل رمز تصوره هو لواقع أمته غير القادرة على الفعل، فقد سيطر الانقلابيون العسكريون على واقع هذه الأمة.
****
3/2 ويتلخص الجزء الثالث من الرواية في إدانة التجربة الحزبية، من حيث طبيعة الصراع بين الجماعات، واستخدام الألفاظ التصنيفية الجاهزة لكل من يخالف يا شعوبي يا وسخ، وكذلك من حيث طبيعة القيادة ذاتها التي يراها عربي ممثلة في قائده الذييحب النساء أكثر من الأمة.
وقد برز له ذلك حين خاطب عربي بخصوص الفتاة زميلته قائلاً:
- عرّفني عليها
- لماذا يا رفيق
- بلا رفيق بلا بطيخ، عرّفني عليها… ها
- إنها شعوبية
- ما يخالف عيني… ما يخالف
****
4/2 أما الجزء الرابع فَيُعَمَّقْ فيه الروائي إحساس عربي بالأزمة الحزبية، والأزمة الشخصية، ذلك أن محاولته حلّ تأزمه من خلال زيارةالماخور باءت بالفشل، أما الحزب فقد أستغل شهادته ضد صديق قديم له ليؤكد لمخابرات الحزب/ الدولة بأن هذا الصديق ليس أكثر من شعوبي قذر، ثم تتعمق هذه الأزمة عند متابعة عربي لتحليلات الأدباء المثقفين:
قال الأديب:
- أخي … الأزمة أزمة ديموقراطية. إسرائيل والاستعمار قضية ثانوية، الأزمة هنا.. في الداخل، الديموقراطية.
ووضع مخللة في فمه، التهمها بسرعة وشرب للتو جرعة أخرى من العرق:
- ما رأيك أستاذ عربي
وعربي كان مهتماً بالبحث عن فستقة بلا عفن، دون فائدة، وعفن الفستق ما هو إلا إشارة إلى عفن الواقع، عفن تحليل الأديب المنعزل عن شعبه، والذي يكتفي بالتنظير على كأس خمر. والنتيجة عند عربي كانت :
كل الفستق كان متعفناً
ثم ما تلبث أزمة عربي أن تتعمق حين يصل إلى سمعه طبيعة الخلاف بين صاحب البيت الذي يسكن فيه عربي، وبين ابنهعلي الذي جاوز عمره الخامسة والعشرين.
فالوالد يبيح لمن يسكن الغرفة، ويدفع أكثر، أن يضاجع أبنته عائشة. الابن يحتج والنتيجة:
مددت رأسي من النافذة فرأيت الأب يطأ في بطن الابن… وفم الابن يزبد، ويداه تطوحان في الفراغ بحركات غير مجدية،… والأم تحاول أن تدفع الأب وهو يصرخ :خليني أذبحه، خليني أذبحه.
ويحاول عربي جاهداً تبرير الموقف، وربط ذلك بالوضع الاقتصادي، وهنا يطرح الراوي وعلى لسان عربي وبضمير المتكلم رأياً غريباً حول هؤلاء المهاجرين الذين رآهم في كل مكان، في هجير. والعاصمة هناك والعاصمة هنا:
في كل مكان هم موجودون، أقلة لهم خدود نظيفة لم يعودوا منهم…(لاحظ الوعي الطبقي)،... أما في الأزمة وبين الخيام فأطفالهم دائماً وسخوا الوجوه، موحلون، كأنهم عصافير خرجت للتو من بوري صوبة.
والمشكلة لا تجيء من تحديد عربي لهموم هذه الطبقة، ولكن المشكلة تبرز من عدم وعي عربي لوضعهم، عدم معرفته بأسباب وجودهم في هجيروغيرها، لذا فهو يراهم:
دائماً يتصايحون. على الأبواب التي توزع البقج يتدافعون… دائماً يتصايحون حتى هنا عندما اتخذوا سقفاً وأجّروا غرفة في الأعلى(والمقصود أسرة عائشة) يشتم أحدهم الأخر... لماذا هم هنا أصلاً؟ المذيعون يؤكدون أشياء كثيرة حول الموضوع. لا أريد المذيعين،أريد أن أسألهم هم ولكنهم دائماً في جلبة.
من هم هؤلاء؟؟ الرواية لا توضح هذا مباشرة، ولكن السياق يكاد يكشف عن هؤلاء الذين تشرّدوا، والغريب هنا هو موقف عربي، فهو يفهم التاريخ ويفسّره، يفهم الواقع اليومي ويفسّره، يفهم التجربة اليومية ويفسرها.. ويعجز عن فهم هؤلاء الذين يود أن يسمع منهم فلا يستطيع والخلل فيهم هم؟؟؟ فكيف ذلك! ! ترى:ألا يبدو هذا موقفاً غريباً وغير مبرر في شخصية عربي؟ ويبقى السؤال قائماً من هم هؤلاء المتشردون؟ وما المقصود بالتحديد؟ هل هم سكان المخيمات الفلسطينية والأحياء الشعبية في المدن؟ هذا ما أرجحه شخصياً .
وتستمر الرواية في جزئها الرابع الذي يمثل الجزء الأهم في الخطاب الروائي في تصوير واقع عربي، واقع التجربة السياسية المحيط، وبروز ظاهرة الانقلابات، تعدد الوجوه وبقاء الواقع متردياً، وبقاء التجربة الحزبية متراجعة غير قادرة على تطوير نفسها، وبالتالي تطوير الواقع. هذا التخبط في تجربة الحزب عكس نفسه على علاقة عربي به فانسحب، وهو خلال ذلك يدين استخدام القوى السياسية للدين لدعم مواقفها. لذا نراه يسخر من خطيب المسجد الذي كف عن مهاجمة الاشتراكيين والملحدين وكرّس خُطَبَه لمهاجمة ملابس النساء القصيرة وأمور أخرى تخصصية كما يدين رجال الدين أنفسهم في تسخيرهم الدين لخدمة أغراض آنية قائمة، وفي حرف المسار الصحيح عن اتجاهه باتجاه قضايا ثانوية لا قيمة لها.
****
2/5 ويتعمق إحساس عربي بأزمته الخاصة، وبأزمته العامة، في الفصل الخامس الذي يشهد رحيل عربي من بيت عائشة، وحواره مع زميله المجنون حول الانقلاب، وحول الزعيم لإبراز سقوط الادعاءات، ومرارة الواقع السياسي، وتراجع التجربة الحزبية. مشيراً إلى الصراع بين الطلاب المؤمنين دينياً وغيرهم، وكيف أن جذوع أغراس حديقة الجامعة قد استخدمت في الصراع.
****
2/6 يقدم الفصل السادس نقلة جغرافية في المكان، مشيراً الى عودة عربي إلى موطنه، وصراعه مع رجال مخابراته، وتهديده بمستقبله، مع التقليل من قيمة شهادته العلمية إذا لم يحصل على موافقة المخابرات على التعيين والعمل. ليؤكد عربي من خلال ذلك وحدة دوائر المخابرات في الدول مهما اختلفت نظمها، لذلك نجده يقول:
أنا واثق من أن كامل التفصيلات متوفرة لديه، ليست هذه هي المسألة، لا، إنه مثل زميله في المهنة هناك، ورغم عداوتهما الظاهرة. أنهما معاً يتدخلان في شؤوني الخاصة في شؤون المواطن العربي حيث هو في وطنه الكبير/ الصغير في آن.
كما تبرز في هذا الفصل شخصية الأخ المحارب القديم على حقيقتها، هذا الأخ الذي أخذ شخصية والده القامعة، فمارس دوره القمعي التسلطي ضد عربي بل وضد أمِّة نفسها، لذا نجده يسيطر على مجمل ممتلكات الوالد بعد وفاته تمهيداً لأخذ دوره التسلطي -الطربكي-
****
2/7 يمتاز هذا الفصل بتعدد أطروحاته وهو في هذا يشبه الفصل الرابع في تعقده، فالدخول إلى الفصل دخول تاريخي يتم باستذكار واقعة ابن القاسم، مع دمج ذلك بموقف الصوفي ساخراً تُؤْجروا بي وأكن شهيداً فقتلوه، مروراً بموقعة استسلام الخليفة العباسي للتتار، ليخرج من مجمل هذه الهزائم بالهزيمة الجديدة، هزيمة حزيران:
على الجسر المحطم كانوا يعبرون. الجندي لم يعبر معهم. الجندي ميت منذ ثلاثة أيام، الجندي ملقى بكامل ملابسه الرسمية الصفراء بجانب الجسر، حذاؤه الثقيل لا زال يلمع. ثلاثة أيام. رائحته فظيعة غير أن حذاءه يلمع.
لاحظ تكرارات الجندي، الحذاء الثقيل الذي يلمع، وذلك بغية إثارة مفارقة سوداوية مضحكة، جندي قتيل وحذاء ثقيل ما زال يلمع بعد ثلاثة أيام، أي نقد أَحَدّ من هذا يمكن أن يوجه للمؤسسة العسكرية في تركيزها على الأمور الثانوية على حساب الأساسيات.
ويخرج عربي من حالة التذكر هذه للحديث عن أزمته الشخصية/ أزمته العامة، مشيراً إلى حرب حزيران وأثرها الإيجابي في البداية على مجتمعنا وتوقعنا النصر، مع نقد مباشر لسلوك مسؤولينا وبخاصة الجانب الإعلامي فيه، ونقد مباشر كذلك لسلوك الناس، والممثل في تراكضهم لشراء الخبز في الوقت الذي تقصف فيه الطائرات المطار.
وكلُّ هذا تمهيد للدخول في جو الهزيمة ذاته في الفصلين الأخيرين من الرواية.
****
3- ولو حاولنا أن نُمسك طبيعة الإدانة التي تقدمها رواية سبول، لوجدناها إدانة شاملة لمجمل المؤسسة العربية في مجال: الأسرة وعلاقاتها، الحياة السياسية وصراعاتها، الحزب وعجزه، هذه الإدانة يمكن تلخيصها في:-
- إدانة لشكل العلاقة البطركية بين الأب العربي وأسرته، ممثلاً بوالد عربي، ووالد عائشة، وأخي عربي المحارب.
- إدانة للحزب السياسي ذي النهج القومي الذي ينتمي إليه عربي، الحزب القومي، وهو في هذا يلتقي مع إدانة رواية أردنية أخرى لجزء من الأيدولوجية ونقصد رواية أوراق عاقر لسالم النحاس هذه الإدانة نراها ممتدة وبصيغة جديدة لدى مؤنس الرزاز في أحياء في البحر الميت.
- إدانة للسلوك الانقلابي طريقاً للوصول إلى السلطة، ومن ثم ادّعاء الانقلابيين بالثورة والتغيير.
- إدانة لمجمل الزعامات السياسية في الوطن العربي.
- إدانة للجهاز أو لنقل للمؤسسة القمعية العربية ممثلة بأجهزة المخابرات العربية بغض النظر عن أطرها السياسية .
- إدانة للمؤسسة الإعلامية العربية.
- إدانة لشكل العلاقة غير الإنسانية القائمة بين الرجل والمرأة، فالمرأة موضوع جنسي ليس إلاّ.
- إدانة للمصطلح السياسي السائد.
- إدانة للمجتمع العربي برمته، في هزيمته، وفي قبوله بالهزيمة.
- إدانة لأجزاء من التاريخ العربي من لحظة الإمساك بمحمد بن القاسم مخـفوراً وسجنه في جلد بقرة ومن ثم حرقه حياً، وحتى الراهن، وهنا تتحقق الإدانة حتى تصل الأرومة العربية ذاتها. فالإدانة تمتد للفكر القومي، للعمل السياسي، وللواقع الاجتماعي، ولنظام الأسرة.
إنها إدانة لنمط حياة بمجمله، ولكن اللافت للنظر أنها أي الإدانة التي تقدمها الرواية، وعلى قسوتها، فإنها تبدو إدانة مقبولة، إنها إدانة الرافض لا إدانة المستسلم - المنسحب، لأن مثل هذه الإدانة، إذ تُعرّي عالماً بمجمله، فإنها تدعونا، بل وتدفعنا إلى الثورة عليه، فيصبح عربي بطل الرواية متجاوزاً حالته السلبية المأزومة، ليصبح حالة احتجاج حادة ضد كل ما هو قائم.
وكأن تيسير في روايته يُطالب بالثورة على كل شيء، ثورة تكتسح حالة الموات / الهزيمة/ الانكسار التي نعيشها، لتعيد بعد ذلك تأجيج اللحظة الإنسانية باتجاه وشم الدولة العظمى.
****
4- فإذا تجاوزنا الخطاب الروائي، وعدنا إلى بنية العمل، فما الذي نجده؟
أول ما يبرز في السياق الروائي افتقاره إلى مفهوم التمركز الروائي، وهذه قضية سبق أن أشار إليها ناقدنا الأردني سليمان الأزرعي في كتابه عن تيسير السبول -الشاعر القتيل- فالتشتت ظاهرة واضحة في العمل، ومن هنا نجد أن هذا العمل يستعصي نسبياً على التصنيف ضمن الأطر الجاهزة:
1/4 فهو ليس رواية شخصيات، مع أن الشخصيات موجودة فيه : الأب، عربي، عائشة، صابر، الأخ المحارب... الخ ولكن الرواية لا تتجه إلى إبراز وتعميق الشخصيات لتصير من لحم ودم، وإنما هي تُخَدِّمُ هذه الشخصيات للوصول إلى خطابها، بمعنى أنها شخصيات تبدو ذهنية، معدة سلفاً، يشذ عن ذلك شخصية الوالد، والد عربي الذي أمكننا التعرف على جزئيات تكوينه النفسي. أي أن الرواية وإن لم تكن رواية شخصيات، فإن الشخصيات تبقى قائمة فيها، تُعمِّق الخطاب وتخدمه.
****
2/4 والعمل كذلك ليس رواية حدث، صحيح أن الهزيمة -هزيمة حزيران- تشكل الحدث المركزي في لرواية، إذ إن مجمل التوتر في السرد الروائي يتجه إليه، ويقف، ولكن الحدث ليس هاجساً في العمل، وهو لا يعتمد تنامياً له، لذا نجد الحدث مشظىً وموزعاً في أكثر من فصل، بل إن انهيارات البطل العربي، وتذكراته تتقدم لتحتل بؤرة العمل على حساب نمو الحدث فيه.
****
3/4 وهو ليس عملاً درامياً يُصَوِّرُ حركة شعب مثلاً، يمزج خلاله بين الشخصيات وتطورها من جهة، وبين الحدث وتعمقه من جهة أخرى، مع الحفاظ على الحد الأدنى من الشخصيات، ومن الأحداث.
****
5- إلا أن هذا العمل، على تشظيه يظل قائماً على السرد الروائي، مما لا يُخرجه عن الصنف الروائي. وفي هذا السياق نقول بانعدام ثبات القانون الذي يضبط الجنس الأدبي، صحيح أن تكرار الشكل عبر تاريخ تطور الجنس الأدبي يكسبه صفة الثبات، ولكنه ثبات نسبي قابل لأن يُكسر وأن يُتجاوز، ولكن هذا التجاوز لا يجيء عبثاً أو مزاجياً، فَهُو بحاجة إلى قُدرات مُبْدِعَة تكسر القائم وتلغيه باشتراط امتلاكها لقانونها الخاص الذي يضبطها، لشكلها الملائم، وهذا العمل الذي بين يدينا أراه قد وُفِّقَ في هذا الجانب باتجاه ريادة خاصة، لم تعمم في التجربة الروائية العربية، ولكنها لا تفقد خصوصيتها التي امتازت بعدد من الخصيصات نذكر منها:
1/5 استخدام أسلوب القطع السينمائي في تقديم نفسها، هذا الأسلوب أعطى الروائي حرية القطع من جهة، وإمكانية الانتقال عبر الزمن، وعبر الأحداث بسهولة، دون اضطراره لاستخدام تقنية التداعي مثلاً.
2/5 استخدام أسلوب الاقتصاد الحاد في اللغة، لا زيادات ولا حواشي، وإن القيام بأي حذف، مهما صَغُر، سيُظهر خَللاً في العمل، صحيح أنك قد لا تحس في البداية بهذا الخلل، ولكن استمرار تطبيق مبدأ الحذف لن يلبث أن يلغي العمل برمته، وهذا ما يؤكد أن العمل وحدة واحدة لا تقبل الحذف.
3/5 استخدام تقنيتي السرد والحوار، باعتبارهما تقنيتين أساسيتين في فعل القص، وهو سرد مكثف يعتمد التصوير لإثارة مشاعر متوترة (انظر مشهد قتل القطة مثلاً، ومشهد الوقوف على الجسر بعد الهزيمة)، أما الحوار فهو قصير بدوره فالجملة لا تتجاوز مفردتين أو ثلاثاً:
- أين النقود؟
- لا أعرف.
- يا ابن الكلبة، لمن أعطيت النقود؟
- يا أبي والله لم آخذها
هَوْيَةٌ هائلة من الكف، رأيت شيئاً أحمر.
وفي موقع آخر:
- عرّفني عليها.
- لماذا يا رفيق؟
- بلا رفيق بلا بطيخ - عرفني عليها.
- إنها شعوبية.
- ما يخالف….
مثل هذا الحوار المتوتر الحاد، يتفق مع الخط العام الذي يتبناه العمل ويقدمه، والمتمثل في تعميق الإدانة لمجمل ما هو قائم، وهو ما يتفق مع شخصية عربي المتوترة دائماً.
4/5 ثم إن صاحب العمل كان يعي جيداً خصوصية عمله، وعدم قابليته للانضباط ضمن النسق السائد في البناء الروائي:
سرت إشاعة بين الشباب في المقهى أن المواطن عربي يكتب رواية… أكد أنه يكتب شيئاً غامضاً لا يدري ما يسميه…
قال: أكتبه لأنه يزعجني
- جميل، جميل. ولكن هل تلاحظ عدم التماسك في بناء روايتك.
هذا النص المجتزأ يثير مسألتين: الأولى متعلقة بمقولة عدم التماسك التي تبدو في ظاهرها متفقة مع العمل الذي أعتمد فيه صاحبه على تجزيئه إلى تسعة فصول، تبدو في ظاهرها غير مترابطة، ولكن المدقق في الخطاب المركزي ضمن نظرة جشطالتية شاملة للفصول التسعة يلاحظ توزعها ضمن التالي:
· الأول والثاني - للحديث عن أسرة عربي وخصوصية هذه الأسرة - الأب، عربي، الأخ المحارب.
· الثالث - للحديث عن التجربة الحزبية وخصوصيتها.
· الرابع - وهو الفصل المركزي في الرواية، يقدم فيه الروائي أزمة عربي الخاصة والعامة، أزمته السياسية، أزمته الجنسية، الأزمة الحزبية.
· الخامس - ويقدم فيه الروائي هموم البطل عربي، بهدف تعميق أزمته الخاصة والعامة، تمهيداً لعودته إلى الوطن في الفصل السادس والسابع وصراعه مع جهاز مخابراته، ليمهد بذلك لحدوث الهزيمة.
· الثامن والتاسع - وقد خصصهما الروائي للحديث عن هزيمة حزيران 1967، وانعكاس ذلك على عربي ووعيه لها.
وهكذا فإن التشتت الخارجي الذي يظهر في الرواية، هو تشتت نسبي مرتبط بمرتكزات خطابية في كل فصل.
المسألة الثانية التي يثيرها الاجتزاء السابق تتعلق بالصدق الفني، أكتبه لأنه يزعجني، وفعل الكتابة لدى الفنان عموماً هو لتحقيق التوازن الذاتي، التوازن مع الذات ومع الآخرين، هذا الصدق ربما يكون هو الوحيد القادر على إعطاء عمل أنت منذ اليوم هذا الحضور وهذه الخصوصية. ولذا لا نعجب من استمرار حضور هذا العمل في أعمال الكثيرين من مبدعينا ، مثال ذلك:
- إن مشهد المرأة التي تلّوح لعربي بيديها في مؤخرة الباص، موظف حرفياً لدى سالم النحاس في قصة دائرة الأفق من مجموعة وأنت يا مادبا مع تغيير طفيف في الدلالة.
- إن مشهد العصفور الذي تجرشه القطة موظف بشكل شبه حرفي في قصة البشارة لجمال أبي حمدان - أحزان كثيرة وثلاثة غزلان.
- فإذا انتقلنا إلى رواية مؤنس الرزاز وهي أحياء في البحر الميت فإننا سنجد التالي:
- تشابه الإدانة للوضع السياسي / الحزبي، وبخاصة للتجربة القومية.
- توظيف أسماء ونصوص بشكلها المباشر من أنت منذ اليوم ونقلها إلى أحياء في البحر الميت، هجير، عربي، بحيث أن رواية مؤنس تختزل في جوانبها تجربة سبول في أنت منذ اليوم، فعناد الشاهد بطل أحياء ليس إلا صورة معمّقة لعربي بطل أنت منذ اليوم، وقال تيسير أنت منذ اليوم ولم يكمل، قال أجود بالمبتدأ وما عندي خبر
وهجير عند تيسير، أصبحت فجور عند مؤنس، بل إن من يقرأ الصفحات الأخيرات من رواية مؤنس حول بنية الرواية وخصوصيتها، يذكر فوراً مقولة عربي السابقة حول خصوصية رواية أنت منذ اليوم.
- بل إن هذه الرواية أنت منذ اليوم قد أثرت على ما يبدو على جيل تيسير من الأدباء العرب، فقد عثرت في مجموعة غادة السمان وهي رحيل المرافئ القديمة على مشهد شبه حرفي لمشهد سبول في تصويره للقطة:
رأيت في جانب الطريق قطة مدهومة، الدم على أذنها وجانب من وجهها وهي تتحرك في دائرة لا يزيد قطرها عن متر، وعيناها في نفس الوضع وتظل تدور.
وإن كان هذا التوظيف عند غادة السمان لم يصل إلى ريادة تيسير له.
أي أننا يمكننا القول، إن درجة الصدق الفني الذي تمتاز به رواية أنت منذ اليوم ربما تشكل المبرر الأساسي لهذا التميز ولهذه الخصوصية التي تمتاز بها الرواية، والتي تدفعنا دائماً إلى قراءتها أكثر من مرة دون ملل.
|