تيسير السبول..حلولية
فايز محمود
كلما مضت السنين على ذكرى رحيله، وافتقدته في قنايا الأيام التي لاتني تكر وتتعاقب، ازددت جفاء لهذا الزمن البالغ القسوة الذي يجرني في شتى الأمكنة التي جمعتنا، وقد استحالت اطلالا.. بل وحتى غابت عن الوجود، خلا بعض الملامح وقد اتشحت بالبهات بينا درست معالمها..
وما بين انني مصدق منادرته، وغير مصدق ذلك ، تمتلىء ليالي بحضوره الصادق ، أطياف من احلام اليقظة ورؤى المنام، «وأفيق الغداة» على موعدي واياه معظم ليالي الاتية، فالنهارات غشاها ليس كسوف وداعه المرير فحسب، وانما ما ثقلت به أقداري من بلاء لا أدري كيف تسلل الي العمر فصدع أركاني، ولا ادري كيف يكون الخلاص الحاسم، فيبهظني المزيد من الصبر الذي أبديه والسعي المرهق حتى أظل موجوداً.. موجوداً أترقب سانحة استعادة ذاتي المأسورة من ربقها المرئي واللامرئي، احتمل صنوفاً من الغربة، وأشكالا مذلة من المواقف..
لا أجد أحداً يرمقها ببعض الجلاء، وقد كان إبان اللقاء الصديق الكامل صدقا وقوة ووداعة ما اعظم توازنها.فبينما تمضي الحياة بعد هذا «الانكسار» أحمل روحه في نفسي، بصمت مفعم بالأسى وبالأمل وبحكمته التي ارتضت السكوت.. السكوت اذ كف عن صيرورة الوجود، وعن الحوار قولا وكتابة.. اعتزلنا اثر فورة حماس الهبته بالسرعة، لكأنه على موعد مع الزبدية حان أوانها، ففقد حتى ان يضيف شيئا لما يعتلج في وجدانه، لا اقول انه لم يتلبث قبل ان يطير، فقد حط على سلسلة من مرتفعات القيم: حاول التوقف، وهب نفسه بالكامل للمطالعة والكتابة ردحاً طويلا من الشهور قبيل الهاوية، بحث عن دور مؤثر في محالات الثقافة والاعلام والنشاط الاجتماعي العام، بل اقدم على بعض المغامرات العاطفية لعلها تثير في شخصه الرغبة في البقاء..
جرب ما في حياتنا من مغريات، والتجأ الى التاريخ ينقذه مما يخنقه من عدمية.. كل شيء وجده جثة باردة، وكان يستعر بلهيب تأججه وقد بلغ ان يأكل بعضه بعضا.. فتعمق شعوره «بالحلولية» وتوسع احساسه بالوجود والعدم، فانجذب دون رجعة نحو مصيره الانساني المتفرد، فسقطت كل الاوراق التي اصفرت واحترقت في هويته الفردية، الحزب والامة وكذا الوظيفة والامتيازات وعلو الشأن فجمع ما سلف ان كتبه ومنحها اعتباره الراضي.. قال هذا يكفي، ثم قرر بحزم انه يكفيه ما عاش من عمر.. وليس في الغد الا الأوهام والحسرة، فولج تخوم النهاية ، حيث لا ملمح تشي افاقها، ولا يقين يبدد وهمها المستحيل:
أسير مع الوهم أدري
أيمم نحو تخوم النهاية
نبياً غريب الملامح
امضي الى غير غاية
سأسقط لا بد يملأ جوفي الظلام
نبياً قتيلا
وما فاه بعد باية.
لكم كان بليغاً في مقطوعته «الرثاء» هذه، اذ يرثي نفسه.. وقد حكم عليه بالقتل ولما يفه بعد ولو بآية، لكم كان بليغاً في نصه الذي تضمن كل ما بلغه من اعباء لفرط معاناته، ولكم أشرق ذلك بالجمال وسط ما يكتنفه من بشاعة، وما يحوطه من بلادة الواقع وضياع الاخرين عن أنفسهم في حومة الوجود الأصيل.أحمل في بؤس الزمن الذي يتلاطمني ذكراه حية في الروح والضمير، وفكرة تزداد مع الأيام شفافية ونصوعاً..
احتمل اغترابي المتبقي في الدم، وقد تشرب دمه المعدور، تستحيل الذكريات فكرة تزداد رهافة في الفكر، وتنحل الوقائع والأحداث طيها الى شعاع ينبض في الشرايين.. ولشدة خلوصي الى استثنائية التجربة التي لن تزول على طول المدى، احتمل لأجله الذي أخال انه لم يفهمه احد مثلي، ولم يفهمني سواه حقاً، احتمل حتى ان أوافق على سوء الظن وأي افتراء يبديه متذاك فيما يطرحه من تحليل وتفاسير.. لقد كانت علاقتنا ثمار خمس سنوات اخيرة من عمره، لكنها تفجرت بالصدق.. ومواكبة الادراك المتحفز.. والتوق الى الكمال.. ومزايا الشباب في عنفوانها الرجولي..
ووعود المعرفة الخصبة.. لم يتئد وسافر وحيداً، وسفرنا مهما استطال ينشد في طبيعته ذات الوجهة، ولما نصل تتساوى الأزمان المديدة والقصيرة، وإبانها اثناء ما تطويه من آجال، ليس ثمة لقاء داخل النفوس.. انه زحام يلهث نحو غاياته المحصورة بالأنانية، فليس غير الحب يجمع النفوس، وليس الاح حياة صدقنا، ولهذا كان يزداد تجهمه أويقات شهوره الأخيرة، ويمتلىء حنقا، ويقطع علاقاته مع من كان قريبا منه حين يصطدم باللاصدق.. وبالغرور..وبالشهوات المبتورة عن نور الروح.
ولهذا أجد انني ازداد حباً له كلما اضناني العثور على الحب المستكن في نفوس الرجال لبعضهم البعض، ولهذا - اعترف - اظل اجد ان كتاباته لم يعلق عليها غبار الزمن، وانها تعلو فوق اي نقد يرمي الى ازاحتها قيد أنملة، ولا تحمل دنيانا عزاء لفقدان قوة المحبة وصدقها الانساني حينما يخر احد نجومها، مهما توامضت السماء ببقايا ما فيها من أضواء.
كاتب اردني
16-11-2007
|