الرئيسية
سيرة الشاعر
دراسات
كتب
الأعمال الفكرية
مقالات
الشعر
الرواية
أغاني
صوتيات
إتصل بنا

 

 

الصورة في إبداعات تيسير السبول

غسان أبولبن

الرواية - أنت منذ اليوم

"ترك الفلاحون قراهم. ربات البيوت خرجن بملابس النوم. الرجال والأطفال بعضهم دون أحذية... خرجوا جميعاً... كانت الأنوار مطفأة، وجعلوا يتكاثرون. وكانوا يصيحون أكثر، فانخرطوا يبكون." أنت منذ اليوم، المشهد قبل الأخير.

كنت أقرأ في الرواية وفي الشعر لأبحث عن اللون، عن مشهد مرسوم ومعلّق كما اللوحة. لكن اللون في أعمال تيسير لا يأتي صريحاً ومجاناً، والصورة مشهد مركّب، يوارب به من خلال التشكيل الدرامي؛ فوقع المشهد في أذهاننا ملوّن وإن لم يأت النصّ بمفردة تلوينية، والصورة أقرب إلى التقطيع السينمائي، التقطيع السريع المكثّف، الذي يتداخل مع النص من حين لآخر، ويتحد في بنيته، كي ندخل، كقرّاء، في مزاجٍ يطابق المزاج الذي يرسمه النص بسرده وحكايته.


والجمل القصيرة المتتابعة تؤدي دور ضربات الفرشاة السريعة والعريضة التي تملأ سطح المشهد وتوصل الفكرة دفعة واحدة. نستطيع عبر هذه الجمل أن نحس بحركة الكاميرا المتنقلة من كادر إلى كادر في صورة درامية مدروسة، تصعّد الموقف النفسي للمشهد بأقل المفردات.


"على الجسر المحطم كانوا يعبرون. الجندي لم يعبر معهم، الجندي ميّت منذ ثلاثة أيام. الجندي ملقىً بكامل ملابسه الرسمية الصفراء بجانب الجسر. حذاؤه الثقيل لا يزال يلمع. ثلاثة أيام. رائحته فظيعة. غير أن حذاءه الثقيل يلمع".


وكأنه هنا قام بحركة زووم على الحذاء الذي يلمع. والرائحة الفظيعة هنا هي جزء من الصورة وتقع في حاسة البصر لا السمع، فهي النقيض للمعان الحذاء.


والرواية كلها مبنية على المشهد السريع المكثف، فتيسير وكأنه ممنتج يعمل على صورة كبيرة، قطّعها إلى وحدات صغيرة وأعاد توزيعها ليرفع من درجة الإيقاع الدرامي، فهو يسلط الضوء تارة على جزء محدد، صمن زمن محدد، ويعتم على بقسة أجزاء الصورة، ثم يتنقل بين بقية وحدات الصورة، ونحن معه نلاحق إيقاعه، ونستدل على مشاهد الحكاية إضاءة خلف إضاءة، وهو يعطينا على جرعاتٍ ما يكفي لتلك اللحظة التي يرسمها بالتحديد قبل أن تنفتح لنا كامل الرواية.


وبعض الصور التي يقدمها تيسير تنمو لتأخذ في أجزاء الرواية التالية شكلاً مغايراً، ينسجم مع نموّ المشاهد الروائية نفسها كما يعيد ترتيب الذهنية العامة للرواية؛ كما في مشهد القطة في بداية الرواية، وعلاقته بمشاهد أخرى لاحقة ترسم صورة واحدة، لكن بدلالة مغايرة، أكثر إعتاماً.


الصورة الأولى: "ارتدّت إلى النافذة الثانية تموء عالياً، واحتكّت مخالبها بالزجاج. وعاجلها على الرأس بضربة أخرى. سمعت صوت تنفسها المختلط بسائل الدم. وانتفضت انتفاضة سريعة واستلقت ووجنتها على الأرض.

ونفض أنفها مزيداً من الدم، قم سكنت.. عيناها ظلتا مفتوحتين"
" في صباح اليوم التالي، كان رأسها مفصولاً عن جسدها ومسلوخاً"
الصورة الثانية:

".. وسرّ كلما قال مذيع بأن في مكان ما في العالم قام أناس بذبح حكامهم. ولم يهتم بجلود رؤوسهم، بل إن بعض الجلود سلخت"


".. وقال المذيعون .. إن الذين ذبحوا اعداء الشعب هم أنفسهم أعداء الشعب، وأن جلود رؤوسهم حريّة بالسلخ. واعتقد عربي أن هذا سخيف"


".. لولا أنه قرأ قصيدة لشاعر مشهور منهم تقول: سنصنع من جماجمهم منافض للسجاير.وقال عربي إن التفكير بمنافض من هذا القبيل، أسوأ بكثير من سلخ رأس قطة"


في كل موقع في الرواية يعيد إلى أذهاننا صورة القطة التي ماتت بشكل قاسي، وتوقفت الصورة على عينيها المفتوحتين، يتم تقديم صورة مشابهة لكن بمستوى مغاير من ناحية القسوة أو الدلالة. فنعيد إنتاج مشهد القطة دون وعي لتقل حدّتها في أذهاننا وتصبح مقبولة مقارنة بالصور الأخرى.


وقد استخدم تيسير تقنية أخرى في تقديم المشهد على أكثر من دفعة، كما في صورة الجندي القتيل، ففي مشهد في منتصف الرواية يأتي على ذكر جثة الجندي في صورة واسعة، تستعرض تفاصيل الجندي القتيل كاملة، وكان هو محور الصورة. لكن لاحقاً، ضمن مشهد أوسع يتحدث فيه عن وقوفه على الجسر، ذاكراً تفاصيل كثيرة مرتبطة بالعابرين عليه، ثم يخطف لمحة سريعة لصورة الجندي الميت: " وقفت على آخر نقطة صالحة للوقوف على الجسر. رأيت النهر، ورأيت قمم الجبال العالية البعيدة. لم أر جنوداً.. هنا رأيت تحت منخلٍ مشبّكٍ جندياً ملقىً بكامل ملابسه" انتهى الحديث عن الجندي.


الصورة الآن اكتملت وأخذت كامل إضاءتها، ورأيناها في امتدادها الحقيقي إلى جانب الصور الأخرى، أو المشاهد القصيرة الفلمية الكثيفة، المشغولة بحس بصريّ عالٍ، لا يقل إمتاعاً عن بصريّة المشهد المصوّر بالكاميرا المتحركة، فالحِرفيّة واحدة وإن اختلفت الأداة.