تيسير سبول يكتب «على أمواج الأثير»
زياد أبولبن
كتب تيسير سبول رواية"أنت منذ اليوم"، وشاع أمرها في الأوساط الثقافية العربية، بل اقترن اسم تيسير باسم روايته "أنت منذ اليوم"، وهي الرواية التي فازت بجائزة جريدة النهار في بيروت مناصفة مع رواية "الكابوس" لأمين شنار، بل دفع بالبعض الاعتقاد بأن تيسير لم يكتب شيئا غيرها، في حين كتب البعض دراسات عن ديوانه"أحزان صحراوية"، وكتب قصصا ومقالات وأحاديث إذاعية، قام بجمعه بعد وفاته فوزي الخُطبا، ونشرها في كتاب بعنوان: "حديث الأثير، وصدر أخيرا مجلد بعنوان :"تيسير سبول: الأعمال الكاملة"من منشورات البنك الأهلي الأردني" عام 2005 ، وقدّمت له زوجته الدكتورة مي اليتيم، وقد توقفت عن الأحاديث الإذاعية التي كان يُذيعها تيسير سبول في برنامج بعنوان: "على أمواج الأثير"، وهي أحاديث في الشعر والرواية والقصة والمسرح والفكر، وهذه الأحاديث منشورة في الأعمال الكاملة، لما لهذه الأحاديث من قيمة أدبية تدخل في باب النقد مرة، وباب التراجم مرة أخرى، وثالثة في باب الدراسات.
في القسم الأول من أحاديثه الإذاعية لبرنامج "على أمواج الأثير" في مواقف في الشعر، حديث عن كتاب لصلاح عبد الصبور بعنوان "قراءة جديدة لشعرنا القديم"، فالسبول يعرض لمحتويات الكتاب في فصوله المختلفة، ويراه محاولة للاتصال بالتراث العربي القديم واستخراج النفيس من قيمه الفنية والإنسانية، ويثبت الكتاب أن الشعراء الحديثين ليسوا مقطوعي الجذور عن أدبهم وتراثهم، بل هم في طليعة الحريصين على هذا التراث وإحيائه في أطر من الفهم العصري القريب للقارئ الجديد.
كما يتوقف السبول مع المتنبي العربي في رحلة مع الشعر، وقوف المتذوق للشعر، معبرا عن اختياره للأبيات الشعرية التي فيها أنفة العربي وتحديه للشدائد، وهذا ما تمثل في شخصية المتنبي، وتطابق مع شعره، ويختم بقوله: "إنه الشاعر الحق، يعيش عمره على مستويين، مستوى من الواقع، ومستوى من الكونية، ويتمزق بينهما"، ونردد قول المتني: كفى بك داء أن ترى الموت شافيا وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا تمنيتها لمّا تمنيت أن ترى صديقا فأعـيا أو عـدوا مداجـيا كما له وقفة مع الشاعرة كلثوم مالك عرابي في ديوانها: النابالم جعل قمح القدس مرا، ويبدأ بحديث عن تعالق الشعر مع النثر، أو اقترابه منه، وبهذا الاقتراب بدأ الشعر يفقد الكثير من خصائصه، وحدثت أزمة الشعر، فهناك المدافعون عن خصوصية الشعر، ويرون أن المحافظة على المميزات التي تمنحه قوة خاصة: الخيال والعاطفة والإيقاع، ويرى غيرهم بأن هذه العناصر نسبية، تتراوح بين زمن وزمن، وليس الشعر بمتميز عن سواه من الفنون المتطورة المتغيرة أبدا بتغير واقع الإنسان وهمومه ولون حياته.
يقرر قبل الحديث عن المفردة الشعرية في الديوان، بأن هذا الديوان يتزاوج الحلم والواقع فتتلاشى الحدود، ولا يعود الحلم نقيضا للواقع بل يتبادلان العطاء أحدهما للآخر.
يكون الحديث قصيرا عن الديوان وهو حديث واع بالشعر وما يحمله من صور، وتشكيل في اللغة، ومن شعرها: ويقال عن النجمة إذ عشقت لون الأقمار هي بعض طفولة قيثار تتجاوز مرماها في سحر الأحلام وتحن إلى ما بعد الشمس ويقال الصبح تمارض فينا وبأن الأنداء تهاوت في قلب الصيف وماتت والنابالم قناع أحمر لم يتمزق بعد.
ويقف السبول عند مرثية "أبو ذؤيب الهذلي" لأولاده، وهي من عيون الشعر العربي القديم، وتعدّ من شعر المرثي، الذي تصدق فيه العاطفة، وينتقل الشعور الشخصي إلى شعور إنساني، بل إلى شعور بالحيوان الذي يواجه الموت، كما جاء في القصيدة وصفا لمصرع الحمار الوحشي على يد صياد، ومصرع ثور بري في صراع مخيف مع الكلاب، وفي القصيدة مواجهة مع الموت الذي أفقد أبا ذؤيب أولاده الخمسة في عام واحد، وأول مطلع القصيدة: أمًن المنون وريبها تتوجعُ والدهر ليس بمعتبً من يجزعُ كما يقف عند أبيات من شعر الحبّ، فكانت رحلة إلى أفق الحب، ووجدت أن تلك الأبيات تصور لوعة العاشق، والفراق، والألم الذي يعتصر الأفئدة، ولم يُشر السبول إلى قائلي الأبيات، وإنما اختار ما يُناسب ذوقه، وختم وقفته عند صورة غريبة، خاصة عن الحب، كما قال، ويظنّها من جوهر فريد: فإن تمنعوا ليلى وحسن حديثها فلن تمنعوا عني البكا والقوافيا فهلا منعـتم إذ منعتم حديثـها خيالا يوافيني على النأي هاديا ويقف مع ديوان "ترجمان الأشواق" لابن عربي، ويتساءل إن كان هذا الشعر في العشق الإلهي أم في العشق الإنساني، وفي الديوان جواب ابن عربي بقوله: إن كل إشارة وكل اسم صبوة إنما تجيء جميعا تكنية عن العشق الإلهي، وفي جانب أخر يكشف ابن عربي حجاب الغموض عن ديوانه، فقد قدمه له بمقدمة غريبة حقا، فأشار إلى فتاة عرفها، ووصفها بكلماته كالتالي: "من العابدات العالمات، ساحرة الطرف، إن أسهبت أتعبت، وإن أوجزت أعجزت"، ثم انثنى في المقدمة يهاجم الذين زعموا أنه يتشوق شوقا إنسانيا، وكنّى بتلك الألغاز والرموز، فيقول ابن عربي: أقول من وجد ومن لوعة يا ليت من أمرضني مرضا مر بباب الدار مستهزئا مستخفيا معتجرا معرضـا ما ضرّني تعجيره إنما أضر بي من كونه أعرضا يقف مع الشاعر فلاديمير ماياكوفسكي في قصيدته "غيمة في بنطال، تلك القصيدة التي تعبر عن رائحة الموت، فيترك فلاديمير كلمات حزينة بعدما أطلق على نفسه الرصاص، يقول: "زورق الحب الذي تحطم على صخور الحياة اليومية، ورجاء لأمه ألا تبكي وللناس ألا يتقولوا عليه".
ووقفة أخرى مع الشاعر الإسباني "غرستاف ادولف بيكر"، الذي توفي عن أربعة وثلاثين عاما، وترك ديوانا أسماه "قصائد"، وشعر بيكر ذاتي ولكنه لا يفتقر إلى النزعة الإنسانية، فهو شاعر يؤمن بالجمال والشعر والحب، ومن شعره: أعرف نشيدا ضخما غريبا ينبئ في ليل الروح عن فجر ويقف مع الشاعر الفرنسي "لامارتين"، مستعرضا سيرته، ونجد في هذه السيرة أديبا ترك بصماته الواضحة في التراث الإنساني، وكان مثقفا فريدا، ومتجولا في الشرق، فزار سوريا ولبنان وفلسطين، وقد تعلق بالمرأة، وكتب قصيدته المشهورة "البحيرة" كتبها من أجل "الفيرا" التي توفيت شابة، وفي نهاية حياته نكب بثروته التي لم يحسب لها حسابا، فقد تجاوزت ديونه خمسة ملايين فرنك، فعرض مؤلفاته للبيع، وقد كرمته الدولة بمعاش سنوي، كمكافأة وطنية لقاء خدماته.
ويقف مع الشاعر الألماني"غوته"، في قصيدة على لسان الفتاة الصغيرة "مينون"، وقوفا تحليليا لأبيات القصيدة، كاشفا عن مضمونها، ومن أبياتها:
"حيث الريحانة الساكنة
وشجرة الغار العالية
هل تعرف البلد البعيد؟
إلى هناك
إلى هناك
أود أن أمضي معك يا حبيبي".
وآخر هذا القسم من مواقف في الشعر، يقف عند وليم شكسبير وعالمه المسرحي، فيقف عند الخلاف القائل بالتشكيك في نسب المسرحيات لشكسبير، أم للسير فرانسيس بيكون أم للشاعر العظيم مالرو، بل وصل الشك إلى إنكار وجود شاعر اسمه شكسبير، ويبقى القول أن المسرحيات تلك من المسرح العالمي بغض النظر عن نسبتها، وتوزعت المسرحيات بين المسرحيات البطولية، كما في تراجيديا الثأر، وكما في المسرحيات التاريخية، والمسرحيات الكوميدية. ويقال إن باكورة إنتاج شكسبير مسرحية "تيتوس اندرونيكس"، وأول مسرحياته التاريخية مسرحية "الملك هنري السادس"، وأول مسرحية كوميدية "كوميديا الأخطاء".
نجد تيسير سبول في القسم الثاني من أحاديثه الإذاعية لبرنامج" على أمواج الأثير "في مواقف في القصة والرواية" ، يتحدّث عن "اختلاط الحدود بين الرواية والشعر"، وهذا الاختلاط كما يراه يتمثّل بالمعنى الاصطلاحي للأجناس الأدبية مثاله: الصورة الشعرية، هيكل القصيدة وبناؤها، القصيدة النثرية، الرواية الشعرية، فيرى أن الشعر استعار مصطلحا من الرسم (الصور)، وأن الشعر استعار مصطلحات النحت وفن المعمار (هيكل القصيدة وبناؤها) ، وأن مصطلح القصيدة النثرية ومصطلح الرواية الشعرية يبدو فيهما تناقض، في حين أن هذا التفاعل المتبادل بين الرواية والشعر بحاجة إلى عنصر موجود في اللون الآخر، مفتقد في ذاته، فالمخيلة والواقع موجودان (القصيدة النثرية) ، كما أن الواقع والمخيلة أيضا موجودان (الرواية الشعرية) ، ويضرب أمثلة بنماذج عالمية من الكتابة في أشعار (أودن) ، و (جاك بريفير) ، ومسرحيات (إبس) ، وروايات (جيمس جويس) ، و (فرجينيا ولف) ، و (د.ه.لورنس) ، و (ويلز) ، و (شو) ، و (بنيت). كما نجده في حديث عن "موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح"، فيقدم تلخيصا موجزا لأحداث الرواية، ثم يحلل هذا التلخيص، فنجده يعرض للعلاقة بين الشرق والغرب من خلال أحداث الرواية، من خلال شخصية مصطفى سعيد الشخصية الرئيسة في الرواية، وهذا العرض ما هو إلا تلخيص أخر للحدث نفسه، دون أن الوقوف على فنيات الرواية وجمالياتها، وهذا ما يقر به في نهاية حديثه، باعتبار أن ما قام به تحليل للعمل الروائي، ويستشهد برأي الناقد رجاء النقاش دون أن يُشير للمرجع الذي أخذ منه للتثبت من الرأي، ويطلق حُما تعميميا عندما يقول: "ولكن الطيب يقدم عملا فنيا بديعا، لقد استطاع الطيب صالح أن ينفذ من بين جميع الأشكال الروائية، إلى شكل خاص يجمع بين دقة ووضوح الكلاسيكية، وحرارة ورشاقة الأعمال الحديثة، وفي الوقت ذاته، قدم معاناة فكرية صادقة لإشكال فكري سيظل قائما لسنين طويلة".
وفي حديث له عن "الكبار والصغار" وهي مجموعة قصصية للكاتب المصري محمد البساطي، يقدم فهما للواقعية في الأدب والفن، باعتبار الأدب والفن يصور الجانب الوظيفي الاجتماعي، وأن الواقعية تعنى بإعادة تصوير للواقع، وإعادة ابتكار، وإن حل أزمة الأدب الواقعي تكمن في نتاج الأدباء أنفسهم، أكثر مما يمكن في آراء النقاد، ويقرر من منطلق فهمه للأدب "إذ على حصيلة إبداع الأدباء تحيا النظريات التقدمية، حتى وهي تستشرف مستقبل الأدب، وحتى وهي ترسم الحدود". وتأتي مجموعة محمد البساطي "الكبار والصغار"، في مرحلة اضطراب الرأي حول واقعية القصة العربية، كما يرى تيسير السبول، وهذه المجموعة محاولة للخلاص من بين فكي أزمة الواقعية، فك الجمود والميكانيكية عندما يتحول الأدب والفن إلى جانب وظيفي اجتماعي ، وفك عدم التحديد، وتداخل كل المدارس الأدبية. نجده هذه القراءة أكثر نضجا ووعيا في استخدام أدواته النقدية، مما حلله في رواية الطيب صالح "موسم الهجرة إلى الشمال"، فقد قام إلى جانب التلخيص بوقفات حول الفن القصصي وجمالياته، وأطلق أحكاما نقدية على العمل، فقال: "ميّز محمد البساطي نفسه عن عدد كبير من كتاب جيله، الذين تدور قصصهم في إطار الذاتية المغرقة والمغلقة، التي لا تتصل بهموم المجتمع إلا بقدر ضئيل لا يكاد يلحظ، من هذه الزاوية تستطيع أن تطلق على مجموعة محمد البساطي وصف (الموضوعية) بجلاء".
وقد اعتبر عمل البساطي عملا واقعيا يعبر عن مشكلات الإنسان في العالم الثالث، فهو يلتقط الشخصيات الهامشية في المجتمع، ولذلك رأى في مجموعة البساطي الفنان الواعي الذي يمتلك أدوات فنه، والواقعية لديه تتسم بالإيجاز العميق المعبر، وقد استفاد من فن السينما بالتقاط الصور الجزئية وتنسيقها وربطها، كما استخدم المنولوج الداخلي في قصصه، كل هذا جعل من أدب البساطي أدبا واقعيا مبتكرا، وهكذا تحقق للكاتب أن يقدم قصصا إنسانية وواقعية عميقة، وفي الوقت ذاته أدبا رفيعا، كما يراه تيسير سبول.
وفي حديثه عن مجموعة نجيب محفوظ "تحت المظلة" نرى عمق التحليل ، والوعي النقدي لدى تيسير السبول، فهو متابع لأعمال نجيب محفوظ، حيث نجده يقول: "تتسم قصص هذه المجموعة بالتجريد والرمزية، وفي الغالب الإيجاز الشديد جدا، والناظر إلى تطور أدب نجيب محفوظ لن يستغرب هذه النتيجة، فالمرحلة الواقعية من قصص نجيب محفوظ، والتي توجت بثلاثيته الشهيرة، كانت بداية في طريق من التطور، نستطيع القول بأن سمته الأساسية تكمن في الابتعاد عن الأسلوب الواقعي في القصص شيئا فشيئا، والميل نحو الرمزية بتسارع يكاد يكون منتظما".
كما أننا نلمح وقفاته النقدية في الحديث عن الترابط القصصي داخل المجموعة، ووجد عدد من المسرحيات التجريدية ذات الفصل الواحد في المجموعة نفسها، ففي مسرحية "النجاة" ومسرحية "مشروع للمناقشة" يبدو تأثر نجيب محفوظ بـ (بيرانديللو) ، خاصة اقتران الفكرة بين مسرحية "مشروع للمناقشة" ومسرحية "ست شخصيات تبحث عن مؤلف" لبيرانديللو. ويختم القول تيسير سبول برأيه: "ان نجيب محفوظ يبدو قد اندفع بعيدا جدا عن عالم الواقع في هذه المجموعة، وتحولت قصته إلى طلسم غامض جدا بعض الأحيان"، أي أنه غادر الواقعية، وسيعود بعمل أخر يخاطب الواقع بأسلوب أقل تجريدا.
وفي رواية نجيب محفوظ "بداية ونهاية"، قسّم تيسير سبول نتاج محفوظ إلى مراحل ثلاث: المرحلة الأولى تاريخية، كما هي في روايات: عبث الأقدار، رادوبيس، كفاح طيبة. المرحلة الثانية اجتماعية، كما هي في روايات: بداية ونهاية، السراب، زقاق المدق، خان الخليلي، القاهرة الجديدة، الثلاثية: بين القصرين وقصر الشوق والسكرية. المرحلة الثالثة تبدأ برواية اللص والكلاب، وتشمل بقية نتاجه اللاحق، ونلحظ أنه لم يصنف تلك المرحلة وتركها دون تحديد صفة مرحلية.
يعود تيسير إلى تلخيص أحداث الرواية، ويكون له وقوف سريع بقوله: "لقد اتّهم نجيب محفوظ بالتشاؤم في هذه الرواية بالذات، ولكنه في الحقيقة كاتب واقعي، كشف القناع عن الآلام المعيشة، والزيف الروحي لقطاع هائل من المجتمع"، أي أن نجيب محفوظ واقعي يصور معاناة الهامشيين في المجتمع.
يقف السبول عند مجموعة يوسف إدريس "الندّاهة" وعنوان المجموعة عنوان قصة في المجموعة يشير إلى نداء المدينة للآخرين من القرى، وغيرها، فالمدينة جنية تدعو إلى أحضانها، ويتخلى هؤلاء عن مبادئهم وقيمهم وأخلاقهم، كما حدث مع حامد وفتحية اللذان قدما المدينة من القرية، وهي قمة نجاح المجموعة، كما يرى السبول، في حين أخفق الكاتب في قصة "العملية الكبرى" فهي تفتقر لعنصر الإقناع، كما أن الكاتب لم يوفق في الأقصوصتين القصيرتين جدا "المرتبة المقعرة" و" النقطة"، فقد افتقدتا للشروط الفنية الخاصة بالأقصوصة.
ويقف السبول "حول مسألة الإيمان في شعر اليوت"، فيستعرض بعضا من مقاطع شعره للتدليل على أن "اليوت" يمثل حضارة فقدت الإيمان، ويخلص "إلى أن شعر اليوت لا يحمل فرح الإيمان، ولكن يمثّل الاستسلام للمشيئة التي تسألها النهاية فقط، وأن افتراض مرحلة إيمان في شعره لا يخلو من التعسف، إن شعر اليوت وإن بدت نغمة الصلاة في أغواره لهو نسيج واحد من روح تتحسس عمقها ونهايتها"، وهذا ما يقرنه السبول بشعر الصوفية المسلمين مثل رابعة العدوية، وابن الفارض، وغيرهما، الذي تجد فيه روح الإيمان الذي يسرع نحو الذات الإلهية، في قول رابعة: "أحبك حبّين: حب الهوى وحبا لأنك أهل لذاكا"، على عكس ما تجده عند اليوت بالنسر الذي لا يود أن يمدّ جناحيه، فيعبر عن الاستسلام للمشيئة، لم يغادر حدود هذه الأرض، ولم يخترق الروح، في قوله:
"علمنا أن نكترث وألا نكترث
صل من أجلنا، نحن الخطاة
الآن وفي ساعة موتنا".
وأخيرا يتوقف السبول عند فيلم سينمائي بعنوان "العار" وهو فيلم ضد الحرب، يخاطب العقل ويخضع الكاميرا للرؤيا - كما يرى السبول - وقبل أن يلخص الفيلم ويحلله يدعونا لحفظ هذه المقولة في أذهاننا، وهي: "لا بد أن نبدي تحفظا هاما، فبرغم أن هنا ضد الحرب، إنه يتجاهل حقيقة أساسية وهي أنه في كل حرب يوجد طرفان: معتد ومعتدى عليه، ومن البداهة أن الحرب العدوانية مشجوبة، بينما الحرب الدفاعية حقّ مشروع، ترقى إلى الواجب المقدس". وبعد ذكره لأهم أحداث الفيلم، يطلق حكما حول أسلوب مخرج الفيلم "برغمان" من الناحية الفنية، فيرى أنه أسلوب كلاسيكي، خال من الحذلقة واستعراض الكاميرا، أو اختيار الزوايا المثيرة، فالكاميرا عند برغمان خادم لرؤياه، تعرض وتعبّر ولكنها لا تقصد الإبهار.
قاص وناقد أردني
16-11-2007
|